الحالة الاجتماعية والنفسية التي يحياها المجتمع الإسلامي اليوم من أدقّ مراحله وأحرجها، إذ هو يمر في هذه الآونة بمرحلة يصح أن تُشبَّه بعنق الزجاجة؛ فإما أن ينجح في النفاذ منها إلى طور جديد من أطوار وجوده، وإما أن يظل حبيسها، تتجاذبه الأزمات، وتتناوشه التناقضات، من غير أن يجد إلى الخلاص منها سبيلًا. وفي هذا المعنى يقول مالك بن نبي في كتابه مشكلة الثقافة: «وبذلك تكون المقدرة الخلّاقة هي قوة (الأفكار) إذ إنّ الحرب لم تستطع أن تهدها بل أتاحت لألمانيا أن تنهض مرة أخرى بعد انحدار الهتلرية»، ثم يتبع ذلك بقوله: «والواقع أن أي مجتمع في بدايته لا يكون قد شاد بعد (عالم أشيائه)، بل كل ما هنالك أن (عالم أفكاره) يبدأ في التكوين، دون أن يشتمل أحياناً إلا على بوادر تفكير أيديولوجي». وههنا، فيما أرى، موضع العلة، ومجمع النظر، ومربط الفرس. فإن المجتمع المسلم قد فقد، إلى حد بعيد، صلته بعالم الأفكار، وربما كان ذلك منذ ابن خلدون، ذلك الرجل الذي كان عالم أفكاره موصولًا أوثق الصلة بمجتمعه، متشابكًا مع عالم الأشياء في عصره، فلم يكن فكره معلقًا في فراغ، ولا مبتورًا عن واقعه، بل كان صادرًا عن حياة، ومتصلاً بحركة التاريخ والاجتماع. والمجتمعات، في شأنها شأن الكائن الحي، لا تثبت على حال، بل تمر في دورات متعاقبة، قد تطول وقد تقصر: طور حياة، ثم طور قوة، ثم طور ضعف، ثم طور موت. وإذا ألقينا نظرة على التاريخ الحديث للمجتمع الإسلامي، بدا لنا أنه قد أقام زمنًا طويلًا في حال من الموت الحضاري أو الجمود التاريخي، حتى خُيّل إلى الناظر أن تلك الحال قدر لا فكاك منه، وأن ذلك السكون نهاية المطاف. غير أني أذهب إلى أن تلك المرحلة قد شارفت على الانقضاء، أو لعلها قد انقضت في بعض وجوهها، وأننا نعيش اليوم بدايات حياة جديدة، هي أول الدورة التالية في مسير المجتمع. ومن هنا يتبين أن عالم الأفكار وعالم الأشياء، وإن كانا من أعظم العوامل أثرًا في تكوين المجتمعات، فليسا وحدهما المتصرفين في مصائرها، بل ثمّة عامل ثالث لا يقل شأنًا عنهما، بل قد يرجح كفتهما جميعًا، وهو وجود هدف أسمى تتجه إليه الجماعة، وتنتظم حوله طاقاتها، وتستمد منه معنى حركتها ووجهتها. وهذا الهدف، بعد طول انقطاع، قد أخذ يلوح من جديد في فئة من الشباب الجديد، وهي وإن كانت قليلة العدد، فإنها عظيمة الأثر، حية الروح، نافذة الفاعلية. ومن خلال هذه البدايات أخذ المسلمون يعودون إلى عالم الأفكار، لا عودة المتفرج العابث، بل عودة الداخل إليه بقوة، المتعمق فيه، الناقد له، الساعي إلى إعادة بنائه من داخله. على أن هذه العودة، وإن كانت مبشرة، لا ينبغي أن يُتوهم أنها ستُثمر ثمرتها في زمن يسير، لأننا ما زلنا في أول الحركة، وأول الحركة أشدها احتكاكًا، وأكثرها اضطرابًا، حتى إذا استقرت السرعة، واعتدل المسار، سارت الأمور سيرًا ألين وأهدأ. غير أن فهم هذه الأزمة على وجهها لا يتم إلا إذا رجعنا خطوة إلى الوراء، ونظرنا إليها من أصلها الأول. ذلك أن مشكلة المجتمع الإسلامي تتركز، في جانب عظيم منها، في أنه أخذ أفكاره من عالم الأفكار الغربي، كما أخذ كثيرًا من أشيائه، ثم حاول أن يحشو بها مجتمعًا لا تتطابق جذوره النفسية والاجتماعية مع تلك العوالم المستوردة. ولم تكن هذه المحاولات وليدة فراغ، ولا ناشئة عن ترف فكري، بل كانت ثمرة من ثمرات موت عالم الأفكار في العالم الإسلامي، كما تقدم ذكره. فإن كل مجتمع محتاج إلى عالم يتبناه، ويصدر عنه، ويعبر من خلاله عن نفسه، حتى يظهر بوصفه مجتمعًا متماسكًا حيًا، له منطقه الباطني، ونظامه الشعوري، وتفسيره الخاص للإنسان والحياة. فإذا فقد هذا العالم، أو عجز عن إنتاجه من داخله، أو استبدل به عالماً غريباً عنه، أوشك أن يقع في التفكك والضياع، كما وقع لكثير من المجتمعات على امتداد التاريخ. فالأشياء وحدها لا تصنع مجتمعًا، كما أن الأفكار المستعارة لا تنشئ حضارة، وإنما تقوم الحضارات حين تنبثق الأفكار من التربة النفسية والاجتماعية التي ستسكنها، وتتشكل بحسب حاجات المجتمع ووجهته ومقاصده. ولعل خير ما يوضح إشكال استيراد عالم الأفكار الغربي أن نضرب له مثلًا من الأدب، وذلك في مسرحية شكسبير عطيل، التي تنتهي عقدتها بأن يقتل البطل صاحبته، ثم يقتل نفسه من بعدها. وقد أشار مالك بن نبي في كتاباته إلى هذا المعنى، حين بيّن أن الأعمال الفنية والأفكار لا تُفهم مجردة عن وسطها الحضاري والنفسي، وأن الإنسان لا يتلقاها من فراغ، بل من داخل بنيته الثقافية الخاصة، ومن خلال الحساسية التي كوّنها مجتمعه في وجدانه. فلو تصورنا متفرجين اثنين، أحدهما من الثقافة الغربية، والآخر من الثقافة الإسلامية، لرأينا أن المتفرج الأول قد يبصر في هذا المشهد ذروة الشاعرية، ويجد فيه منبعًا لأقصى درجات الانفعال، لأنه يفكر، بوصفه متفرجًا أوروبيًا، في جو من الحساسية الجمالية، ولأن هذه المسرحية، بما أنها خارجة من سياقه الحضاري، تخدم هذا اللون من التلقي والتفكير. وأما المتفرج المسلم، فإن استعداده لتلقي هذا المشهد يختلف اختلافًا بينًا، لا لنقص في شعوره، ولا لقصور في تذوقه، بل لأن نمط تفكيره يتحرك في جو من الحساسية الأخلاقية، التي تجعله يرى في المشهد قاتلًا ومنتحرًا، قبل أن يراه مشهدًا شعريًا أو جماليًا. وليس في هذا ما يقتضي أن يكون الغربي أرق شعورًا أو أرهف حسًا في ذاته، إذ لو كان الأمر كذلك لما أمكننا أن نفسر سلوكه أمام المشكلات الاستعمارية التي كانت أقسى وطأة، وأشد امتلاءً بالألم الإنساني، ومع ذلك لا نراه يتفاعل معها بالقدر نفسه من الحساسية والانفعال. ومن ثمّ يتبين أن القضية ليست قضية تفوق إنساني أو عاطفي لطرف على طرف، بل هي قضية أطر نفسية وثقافية وحضارية مختلفة، هي التي تحدد أسلوب التلقي، وطبيعة التفاعل، وحدود الحساسية التي يتحرك الإنسان في إطارها. فليس الشأن أن هذا يشعر أكثر، وذاك يشعر أقل، وإنما الشأن أن كلًّا منهما يشعر من داخل عالمه، ويفسر من داخل منظومته، ويتفاعل بحسب البنية الحضارية التي صاغت وجدانه، وحددت نظرته إلى الإنسان والحياة.
يتبع....
No comments yet. Be the first.