All Posts · جميع المقالات
Essay · مقالة اقتصاديات · من السلسلة
بوليفارد النصر: مفارقة الساحل الشرير

قبل سنوات قليلة اهتدى المصريون إلى تسميتين لشاطئ واحد. صار الساحل الشمالي في ألسنتهم ساحلَين: ساحلٌ «طيّب» في شرقه، قريبٌ من الإسكندرية، قديمُ المصايف، رخيصُ الأثمان، تُلعب فيه الورق وتُشوى الذرة ولا يسأل أحدٌ أحدًا من أين جاء؛ وساحلٌ «شرير» في غربه، منتجعاتٌ حديثةٌ لامعة، وأسعارٌ لا تُقال في مجلس عامّ، وحفلاتٌ ونجومٌ وقوائمُ دعوات. وانتشرت التسميتان في أسابيع، وصارتا مادّةً للنكتة ثم للبرامج ثم للسجال.


والنكتة من هذا النوع نادرًا ما تكون نكتة.


لاحظ أوّلًا أنّ الناس لم يقولوا «الساحل الغالي» و«الساحل الرخيص»، مع أنّ هذا هو الفرق الحقيقي وهو معروفٌ لمن يعرف الأسعار. اختاروا لغةَ الأخلاق: خيرٌ وشرّ. وهذا لا يحدث اعتباطًا. فحين يُنتزع من الإنسان اللفظُ الذي يصف حاله وصفًا صحيحًا — لفظُ الطبقة والثروة وطريقة توزيعها — استعار ما تيسّر له من ألفاظٍ أخرى، فتكلّم عن «قلّة الذوق»، وعن «ناسٍ لا يعرفون كيف يتصرّفون»، وعن «زمانٍ كان الناس فيه أحسن»، وهو في الحقيقة لا يتكلّم إلّا عن بوّابة. ولذلك دار السجال المصري كلّه في الأذواق والسلوك والمقارنة بين الأجيال، ولم يكن في الأذواق والسلوك منه حرفٌ واحد.


فالذي حدث في ذلك الساحل، إذا نُزع عنه غلافه الأخلاقي، بسيطٌ إلى حدّ القسوة: بحرٌ كان مشاعًا صار ممرّاتٍ خاصّة. بوّاباتٌ وأكوادٌ ومداخل تفصل المالك عن المستأجر، وشواطئ لا تُدخَل إلّا برمزٍ إلكتروني، ومصريٌّ يقف على أرض بلده فلا يستطيع أن يمشي مئة متر إلى الماء. هذا الرجل حين يعود إلى بيته لا يقول «المكان غالٍ»؛ يقول «شرير». لأنّ ما أصابه ليس ضيقًا في ذات اليد، بل اكتشافُ أنّ في وطنه وطنًا آخر، وأنّه ليس من أهله.


ولم يُبنَ ذلك في موسم. بُني على عشرين سنة، منتجعًا بعد منتجع وبوّابةً بعد بوّابة، وكلُّ خطوةٍ منها معقولةٌ تمامًا إذا نُظر إليها وحدها: استثمارٌ يجلب عملةً صعبة، ومشروعٌ يوظّف شبابًا، وأرضٌ صحراوية تُحيا. ولم يجلس أحدٌ يومًا في غرفةٍ مغلقة ليقرّر أن تُشقّ البلاد نصفين. لم يكن ذلك ضروريًا. تكفي البوّابات، وتكفي عشرون سنة.

والآن انظر إلى حمص.


في المدينة التي كانت من أكثر مدن سوريا خرابًا، أُعلن مشروع «بوليفارد النصر»: نحو خمسمئة ألف متر مربّع من البناء فوق الأرض، ومئتان وخمسون ألفًا تحتها، وقرابة ألفين وخمسمئة وحدة سكنية وتجارية، وحديقةٌ بثلاثمئة وخمسين ألف متر، وفنادق ومكاتب ومراكز تسوّق، على ثلاث مراحل في ثلاث سنوات وخمسٍ وسبع. ومن تفاصيل التصميم التي أُعلنت باعتزاز: خمسة آلاف موقفٍ للسيّارات تحت الأرض — في مدينةٍ لم يعد لكثيرٍ من أهلها بيتٌ فوقها.


أمّا الأسعار فليست مسألة أرقام. الأسعار المعلنة لا تُقاس براتب، إنّما تُقاس بالأعمار: كم عمرًا يحتاج موظّفٌ في حمص ليشتري بابًا هناك. وفي بلدٍ تُقدّر الأمم المتحدة أنّ تسعةً من كلّ عشرةٍ فيه تحت خطّ الفقر، لا يكون الحديث عن «تنشيط السوق العقاري» حديثًا اقتصاديًا، بل هو مزحةٌ تُقال بوجهٍ جادّ. ثمّ يُقال إنّ المشروع لأهل حمص. وهذا صحيحٌ إذا فُهم على وجهه: لأهل حمص الذين غادروا حمص، وأثروا في مكانٍ آخر، وصار في وسعهم أن يشتروا منها شقّةً لا ينوون السكن فيها.


بل انظر إلى الاسم نفسه. «بوليفارد». كلمةٌ فرنسية. لغةٌ عمرها خمسة عشر قرنًا، فيها للشارع العريض عشرة أسماء، ولم يُوجد فيها ما يفي بالغرض. وليس هذا سهوًا في الترجمة ولا رعونةً من مكتب دعاية؛ إنّه أدقّ إعلانٍ عن هويّة الزبون. فمن الذي يشتري «بوليفارد»؟ الذي يعرف لماذا لا يُقال «جادّة». وقد أُلحق بالاسم شعارٌ يقول «نبنيها معًا»، ولستُ أعرف في لغة العرب كلمةً حُمّلت فوق طاقتها كما حُمّلت كلمة «معًا» في هذا الشعار.

وهو فوق ذلك جمالٌ مستعار حتى في حجارته. فالتصميم المعروض على أهل حمص ليس تصميمًا لحمص: واجهاتٌ زجاجية شاهقة وُضعت أصلًا لسماءٍ أوروبية غائمة تشحّ فيها الشمس فيُلتمس الضوء التماسًا، تُنقل كما هي إلى مدينةٍ تقتل شمسُها في تمّوز؛ وأبراجٌ متباعدة بينها مسافاتٌ وساحاتٌ مرصوفة، وهي هيئةٌ وُلدت في مدنٍ أمريكية بُنيت للسيّارة لا للقدم، تُنقل إلى ناسٍ نصفهم لا يملك سيّارة؛ ومصطلحاتٌ في الكرّاس الترويجي تُترجم ترجمةً حرفية عن كرّاسٍ آخر كُتب في مكانٍ آخر لناسٍ آخرين. مدينةٌ تُصمَّم لتُشبه الصورة الترويجية لا لتشبه أهلها. ولا يشتري الصورةَ الترويجيةَ إلّا من يراها من بعيد.


وقد يُقال — وهو اعتراضٌ جادّ يستحقّ أن يُعرض بأحسن صوره — إنّ المدينة مهدّمة، وإنّ الدولة لا تملك ما تُعمّر به، وإنّ أحدًا في هذا العالم لن يُنفق خمسمئة ألف متر من البناء إحسانًا، وإنّ المشروع يَعِد بآلاف فرص العمل، وإنّ ورشة بناءٍ بهذا الحجم تُحيي عشرات المهن من الحديد إلى النقل إلى المقاولات الصغيرة، وإنّ الاعتراض على أوّل استثمارٍ كبير يدخل البلد رفاهيةُ من لا يعيش تحت الركام.


وهذا كلامٌ صحيحٌ في جملته، ولا أدفعه. لكنّ الخطأ فيه ليس في مقدّماته، بل في أنّه يعرض على الناس خيارَين اثنين لا ثالث لهما: أنقاضٌ أو بوليفارد. وهذه مغالطةٌ قديمة، فالأنقاض ليست الطرف المقابل للمشروع. الطرف المقابل هو الإعمار الذي يُعيد الناس إلى بيوتهم بدل أن يُعيد الأرض إلى السوق. السؤال ليس: أنُعمّر أم لا نعمّر؟ السؤال: لمن نعمّر؟ وحين يُسحب هذا السؤال من التداول ويُوضع مكانه سؤال «أمع الإعمار أنت أم ضدّه؟»، فاعلم أنّ الجواب كُتب قبل أن يُطرح السؤال.


ثمّ إنّ الأحياء القديمة، على ضيقها وتشابك أزقّتها وما يُعاب عليها من فوضى، كانت تؤدّي وظيفةً اقتصاديةً لا تظهر في مخطّطٍ ولا يحسبها مصمّم: أُجرةٌ يقدر عليها الفقير، ودكّانٌ تحت البيت يعيش منه صاحبه، ومسافةٌ تُقطع مشيًا فلا يلتهم النقلُ نصفَ اليومية، وجيرةٌ تُقرض وتُسلف وتسأل عن الغائب. هذا كلّه ليس تخلّفًا عمرانيًا يُزال، بل هو السُّلَّم الذي كان يصعد عليه الفقير. والمشروع الذي يُباعد بين البيوت، ويرفع الأبراج، ويجعل الطابق الأرضي معرضًا لا دكّانًا، والشارعَ ممرًّا للسيّارات لا للناس، إنّما يسحب هذا السلّم من تحت قدمَي من كان يستعمله، ثمّ يُطلب منه أن يشكر: انظر كم صارت مدينتك جميلة.


وتحت هذا كلّه طبقةٌ أعمق.


ليست الثروة شرًّا، ولا الترف إثمًا، ولا في بناءٍ جميل ما يُعاب. إنّما يبدأ الشرّ حين يكون في الثروة حقٌّ لم يُؤدَّ. وأخطر ما في هذا النموذج أنّه يُبدّل المقياس الذي يُقاس به البيت. فالبيت في أصله مأوى، يُسأل عنه: من يسكنه؟ فإذا صار أصلًا استثماريًا، تبدّل السؤال إلى: كم يساوي بعد خمس سنوات؟ ومتى صار العائد هو المقياس الوحيد المتاح، صُمّمت المدينة كلّها للزبون القادر لا للإنسان الساكن، لا لأنّ أحدًا كره الإنسان الساكن، بل لأنّه لم يعد يظهر في الجدول أصلًا. هذا هو الوجه العمراني لِما سبق أن سمّيناه التشيّؤ: أن يتحوّل البيت من مأوىً إلى رقم، والحيُّ من جيرةٍ إلى سوق، والمدينةُ من ذاكرةٍ إلى فرصة.


ثمّ يبقى ما لا يُقال، وكلُّ من عاش في سوريا هذه السنة يعرفه.


لم يعد أحدٌ يحتمل أحدًا. الناس على الحافّة. خلافٌ على دورٍ في طابور، أو على إشارة مرور، أو على مترٍ من أرضٍ بين جارين، ينقلب في دقيقتين إلى ما لا يُحمد. وليس ذلك لأنّ السوريين ساءت أخلاقهم فجأةً وفي وقتٍ واحد، بل لأنّ الإنسان الذي فقد بيته وعمله وأمنه وسنواتٍ من عمره لا يبقى فيه فائضُ احتمالٍ يمنحه لغيره. الأعصاب كلّها مصروفةٌ على البقاء، فلا يفضل منها شيءٌ للمجاملة. وهذا واقعٌ لا يماري فيه أحد، ولا يحتاج إلى إحصاء، ويكفي أن تركب سيّارةَ أجرة.


في هذا المجتمع بالذات يُراد أن يُبنى، في قلب المدينة، حيٌّ لا يدخله إلّا القادر. ولستُ أدري كيف يظنّ ظانٌّ أنّ رجلًا وقف في الطابور من الفجر، ثمّ مرّ مساءً بواجهةٍ زجاجية يُعرض خلفها ما لا يبلغه في عمرين، سيمضي في طريقه بشعورٍ محايد. فالفقر وحده يُحتمل، والناس صبرت على ما هو أقسى منه. أمّا الفقر إلى جوار عرضٍ يوميٍّ للثروة، على بُعد أمتار، بلا حاجزٍ إلّا الثمن، فهذا لا يُحتمل، لأنّه يخرج من كونه حالًا إلى كونه إهانة. والإهانة اليومية لا تبقى في الصدر طويلًا.


وأوّل ما يُطلب من الإعمار في بلدٍ خرج للتوّ من حربٍ أهلية أن يخفّف الاحتقان، لا أن يضيف إليه طبقةً جديدة من الحسد والمرارة. فأن يُبنى في وسط حمص ما يذكّر تسعةً من كلّ عشرة، كلّ يوم، بأنّهم خارج المعادلة، وأن يقع هذا في هذا التوقيت بالذات، فليس هذا سوءَ تقديرٍ في السوق العقاري؛ هذا سوء تقديرٍ لطبيعة اللحظة التي يعيشها البلد.


وليس الثمن الذي يُدفع في النهاية هو ثمن الشقّة. الثمن هو ما يصيب مجتمعًا حين يكتسب هذه المفردات. فالشرخ المصري لم يبقَ على الشاطئ؛ نزل إلى المدارس، وإلى اللغة التي يتكلّمها الأطفال، وإلى الزواج، وإلى الصورة التي يرسمها شابٌّ لنفسه وهو يرى في بلده بلدًا لا يشبهه. وحين يبلغ الأمر هذا المبلغ لا يعود قابلًا للإصلاح بقرار، لأنّ الجدار الذي بُني في الأرض يكون قد بُني في الرؤوس.


وسوريا اليوم في السنة صفر. خرجت من أربعة عشر عامًا لم تُبقِ لها شيئًا، ولم يبقَ لها من رأس مالٍ إلّا هذا وحده: أنّ الجدران لم تُصبَّ بعد. ومن يظنّ أنّ في المسألة سعةً من الوقت فليعد إلى المصريين: لم يقرّروا الانقسام في يوم، ولم ينتبهوا إليه إلّا بعد أن صار لهم بحرٌ واحدٌ وعالمان.


وأصعب ما في هذا كلّه أنّه لا يُقال. فمن اعترض اليوم قيل له إنّه لا يريد للبلد أن ينهض، أو إنّه يحنّ إلى الخراب، أو إنّه يعرقل أوّل خيرٍ يدخل المدينة منذ عقود. فيصمت الناس ويتحدّثون به في مجالسهم، تمامًا كما تحدّث المصريون سنواتٍ عن الأذواق والأخلاق وهم لا يقصدون إلّا البوّابة.


احتاج المصريون عشرين سنة ليخترعوا كلمة «الساحل الشرير».


نحن لم نبدأ بعد. والبوّابة الأولى تُصبّ الآن.


اجتياح الرأسمالية للمنطقة العربية كان أكبر تشويه في العقول قبل انعكاسه على طمس الهوية والحضارة وهذه البنايات الشاهقة لم توجد إلا لإرضاء الغريب وتوطينه فيما ليس له تحت مظلة ال "معاً" الساذجة

27 August 2026