All Posts · جميع المقالات
Essay · مقالة
المشروع: سياق تحليلي 02 المشروع: سياق تحليلي 02

الفرق بين الإنتاج العلمي والإنتاج الفكري وحاجة المسلمين إلى استعادة إطارهم المعرفي الخاص

انتهينا في المقال السابق إلى إشكالية استيراد أفكارنا من الغرب، ومحاولة حشرها في قالبنا الثقافي والاجتماعي، حتى غدونا نعيش في كثير من الأحيان بعقولٍ تستعير مقدماتها من غيرها، ثم تطلب منها أن تفسّر واقعًا لم تنشأ فيه، ولا تشرّبت خصوصياته، ولا تخلّقت بحساسيته التاريخية والنفسية. وكثيرًا ما يُسأل بعد ذلك عن الحل، غير أنّ الجواب عن الحل لا يستقيم قبل التنبيه إلى معضلة أخرى لا تقل خطرًا عن الأولى، بل لعلها من أصولها العميقة. ذلك أنّ الناس قد يظنون أنّ وجود إنتاج علمي في العالم العربي والإسلامي كافٍ لنقض القول بأننا ما نزال نستورد أفكارنا من الغرب. فإذا رأوا الباحثين ينشرون في الدوريات المحكمة، والأساتذة يؤلفون الكتب، والجامعات تتكاثر فيها الرسائل والأطروحات، قالوا: كيف يقال بعد ذلك إننا نستورد أفكارنا؟ وأين موضع التبعية إذا كان هذا كله بين أيدينا؟


والحق أن الجواب عن هذا الإشكال أيسر مما يُظن، لأن الخلط هنا واقع بين أمرين مختلفين في الجوهر، وإن تشابها في الظاهر: بين الإنتاج العلمي، والإنتاج الفكري. فالإنتاج العلمي، في صورته الغالبة اليوم، ليس بالضرورة دليلاً على استقلال الوعي، ولا علامةً على امتلاك الإطار المعرفي الذي تنبع منه الرؤية إلى الإنسان والعالم والتاريخ، وإنما هو – في كثير من أحواله – اشتغالٌ داخل قالب سابق التكوين، قد رُسمت حدوده الكبرى، وحددت مفاهيمه المركزية، ووُضعت معاييره ومناهجه، ثم فُتح المجال للآخرين كي يضيفوا إليه تفصيلًا هنا، أو تطويرًا هناك، أو تطبيقًا في هذا الحقل أو ذاك. وهذا في ذاته ليس عيبًا من حيث هو جهدٌ علمي، ولكنه لا ينبغي أن يُغَالَط به فيُحسب فكرًا مؤسِّسًا، أو يُتوهم أنه استقلال حضاري، مع أنه – في كثير من الأحيان – لا يعدو أن يكون توسيعًا لبناءٍ لم نضع أساسه، ولا نملك غايته، ولا نحدد وجهته.


وما يفعله كثير من علماء المسلمين وكتّابهم اليوم هو أنهم ينتجون معرفةً منضبطةً بالقالب الغربي السائد، من حيث الموضوعات التي تُعدّ جديرة بالبحث، والمناهج التي يُعترف بها، والمصطلحات التي تمنح الباحث شرعيته، والمعايير التي تُقاس بها قيمة العمل العلمي. فهو يتحرك داخل شبكة دقيقة من الشروط المؤسسية: تصنيفات الجامعات، وشروط الترقية، وسياسات النشر، ومنطق الاستشهادات، ومراكز التمويل، ومعايير “الجدة” و”المساهمة” كما تحددها المؤسسة الأكاديمية الحديثة. فإذا خرج عن هذه الحدود خروجًا حقيقيًا، أو حاول مساءلة الإطار نفسه بدل الاكتفاء بالحركة في داخله، ضاق عليه المجال، أو وُضع خارج الجماعة العلمية التي أمضى السنين في طلب الاعتراف منها. فليست القضية، إذن، نقصًا في الذكاء ولا فقرًا في القدرة، بل هي أن الإبداع نفسه قد أُحكم تطويقه داخل نظام لا يسمح إلا بذلك القدر من الاختلاف الذي لا يهدد أصوله العميقة.


ومن هنا يحسن أن نستحضر ما نبّه إليه ميشيل فوكو حين قرر، في سياقات مختلفة من أعماله، أن المعرفة لا تُنتج في فراغ بريء، بل تتولد داخل علاقات قوة، وأن كل مجتمع يقيم لنفسه “نظامًا للحقيقة” يحدد به ما الذي يُقبل بوصفه معرفة، ومن الذي يملك حق الكلام، وبأي لغة، وبأي أدوات، وتحت أي شروط. وليس المقصود من هذا أن الحقيقة وهمٌ خالص، ولا أن العلم لا وزن له، بل المقصود أن ما يُسمح له أن يظهر بوصفه “علمًا معترفًا به” ليس منفصلًا عن البنية الحضارية التي تنتجه، ولا عن المؤسسات التي تحرس حدوده. فحين تُحتكر مسالك الاعتراف العلمي، وتُفرض شبكات مخصوصة للمفاهيم والطرائق، يصبح جمع المعرفة نفسه أداةً من أدوات تشكيل الوعي الجمعي، لا بمجرد ما يقوله، بل كذلك بما يمنع قوله، وبما يجعله يبدو غير علمي، أو غير رصين، أو خارجًا عن “المعيار”. وعلى هذا الوجه يغدو الاحتكار المعرفي أعمق من مجرد سيطرة على المعلومات؛ إنه سيطرة على طريقة النظر، وعلى ما يعدّ ممكنًا في النظر أصلًا.

وليس هذا المعنى بعيدًا كذلك عما قرره توماس كون حين أشار إلى أن العلم لا يسير دائمًا في خط محايد خالص، بل يتحرك داخل “نماذج إرشادية” أو أطر حاكمة تحدد للباحثين ما الذي ينبغي أن يُسأل، وما الذي يعدّ جوابًا مقبولًا، وما الذي يدخل في صميم التخصص وما الذي يبقى على هامشه. فإذا ضممنا هذا المعنى إلى تنبيه فوكو، بان لنا أن الأزمة ليست في قلة الأوراق المنشورة، ولا في ضعف الحضور الأكاديمي بالمعنى الكمي، بل في أن هذه الحركة العلمية تجري، في أكثرها، داخل أفق معرفي ليس منبثقًا من ذاتنا الحضارية، ولا موجّهًا ابتداءً إلى بناء تصورنا نحن عن الإنسان والعمران والغاية. ومن ثم فقد نكثر من الإنتاج، ونظل مع ذلك فقراء إلى الفكر المؤسس؛ لأننا ننتج داخل عالم غير عالمنا، ونضيف إلى منظومة غير منظومتنا، ونتحرك في سبيل غايات لم نخترها اختيارًا حرًا من صميم وعينا التاريخي.


ولهذا فإن الحديث عن حل مشكلة الأفكار لا يبدأ بالدعوة الساذجة إلى “الإكثار من البحث” فحسب، ولا إلى “تشجيع النشر” على إطلاقه، وإنما يبدأ أولًا بالرجوع خطوة إلى الوراء، لإعادة النظر في الإطار المعرفي نفسه الذي نُنتج من خلاله المعرفة، ونسائل به العالم، ونرتب به أولوياتنا. إذ لا يكفي أن يكون عند الأمة علماء، إذا كانت أدوات النظر التي يعملون بها مستعارةً كل الاستعارة، ولا يكفي أن تملك جامعات ومراكز أبحاث، إذا كانت هذه جميعًا تدور في فلك تصورٍ للعلم مفصولٍ عن غايات المجتمع وأخلاقه وتاريخه. وهنا تبرز الحاجة إلى إحياء الإطار المعرفي الإسلامي، لا بمعنى الانكفاء الكسول على الموروث، ولا بإعادة ألفاظ القدماء من غير روحها، بل بمعنى استئناف النظر من داخل المرجعية التي تجعل العلم جزءًا من سؤال الوجود، لا مجرد أداة للتراكم المهني أو التوظيف المؤسسي.


وهذا الإحياء لا بد أن يخضع لجملة من الضوابط التي لا يستقيم بغيرها. ولعل أول هذه الضوابط أن العلم في التصور الإسلامي ليس نشاطًا محايدًا من جهة الغاية، وإن كان منضبطًا من جهة البرهان. فهو ليس ترفًا ذهنيًا، ولا تسابقًا على الامتلاك المجرد، ولا طلبًا للقوة لذاتها، بل هو في أصله متصل بمعاني الأمانة والعبودية والعمران والعدل. ومن هنا كان العلم في تراثنا مقرونًا بالأدب، ومشدودًا إلى المسؤولية الأخلاقية، لا منفلتًا منها. وقد نبّه طه عبد الرحمن إلى أن أزمة المعرفة الحديثة ليست في أدواتها فقط، بل في انفصالها عن المجال الأخلاقي، حتى غدا العقل يعمل بلا هداية، والقدرة تتراكم بلا بصيرة، والوسائل تتسع على حساب المقاصد. وقريب من هذا ما قرره أبو حامد الغزالي في تمييزه بين علمٍ ينفع وعلمٍ لا ينفع، إذ لم يكن ينظر إلى المعرفة بوصفها كمًا مجردًا، بل بوصفها فعلًا له أثره في إصلاح الإنسان أو إفساده. فليس السؤال، في المنظور الإسلامي، ماذا نعرف فقط، بل لأي شيء نعرف، وفي أي سبيل يُصرف ما عرفناه، وأي صورة من الإنسان نريد أن نبني بهذا العلم.


وهنا يتصل العلم اتصالًا مباشرًا بالغاية، وتلك هي الحلقة التي انكسرت في زماننا الحاضر. فإن أخطر ما أصاب العقل المسلم المعاصر ليس فقط أنه استعار أدوات غيره، بل أنه فقد البوصلة التي تُوجّه هذه الأدوات، فصار كثير من الاشتغال العلمي يدور بلا مقصدٍ حضاري جامع، أو يدور في خدمة مقاصد جزئية: ترقيةٍ وظيفية، أو تصنيفٍ جامعي، أو حضورٍ شكلي في مشهد الإنتاج العالمي. فإذا ضاعت الغاية، لم يعد العلم بناءً للعمران، بل تحول إلى حركةٍ تراكمية قد تزداد فيها المعلومات، وتضمر فيها الحكمة. وهذا هو الذي جعل عبد الوهاب المسيري ينتقد العقل الأداتي الذي يختزل المعرفة في المنفعة المباشرة، ويُفرغ الإنسان من مركزيته الأخلاقية، حتى يصير كل شيء قابلاً لأن يُقاس بمعيار الفعالية المجردة، ولو أفضى ذلك إلى تآكل المعنى نفسه الذي من أجله يطلب الإنسان العلم.


وإذا نظرنا إلى التاريخ الحديث، ولا سيما إلى النهضة الأوروبية، وجدنا أن أحد أسرار قوتها لم يكن مجرد تحصيلها للعلوم، بل في كونها أحسنت توجيه ما أخذته من معارف لخدمة مشروعها الحضاري الخاص. فالأوروبيون لم يأخذوا من المسلمين علومهم ليضعوها في المتاحف، ولا ليمارسوا بها ترفًا فكريًا، وإنما أخذوا ما أمكنهم أخذه، ثم أعادوا توظيفه في سياق مجتمعهم، ليبنوا به قوتهم، ويعيدوا به تشكيل عالمهم، ويؤسسوا به نهضتهم. وقد أشار غير واحد من مؤرخي العلم والحضارة إلى هذا المعنى، من أمثال جورج سارتون وزيغريد هونكه، وإن اختلفت طرائقهم في العرض والتقدير. والمقصود هنا ليس فتح باب المباهاة بالماضي، وإنما التنبيه إلى أن العلم لا يؤتي أثره الحضاري إلا إذا ارتبط بهدف واضح، وتوجه إلى غايةٍ محسوسة في بناء المجتمع، وصدر عن إرادة جماعية تدرك ماذا تريد أن تصنع بنفسها في التاريخ.


ومن ثم فإن السؤال الحقيقي ليس: هل عندنا علم؟ بل: في أي أفق يتحرك هذا العلم؟ ولصالح أي إنسان يُبنى؟ وتحت سلطان أي غاية يُوجَّه؟ فإن الأمة قد تملك مختبرات ومجلات ومؤتمرات، ثم تبقى مفككة الوعي، مضطربة المقصد، لأنها لم تحسم جوابها عن معنى وجودها، ولا عن وظيفتها في العالم، ولا عن الصورة التي تريد أن يخرج بها الإنسان من مؤسساتها التعليمية والثقافية. وإذا كانت النهضة الأوروبية قد نجحت لأنها عرفت – على اختلاف تقويمنا الأخلاقي لبعض نتائجها – كيف تجعل العلم في خدمة مشروعها، فإن أزمتنا اليوم أننا نطلب العلم كثيرًا، ولكننا لا نملك مشروعًا واضحًا نُنزله عليه، ولا نملك في أحيان كثيرة الشجاعة الفكرية لإعادة تعريف العلم نفسه من داخل حاجاتنا ومقاصدنا وقيمنا.


فالغاية، إذن، ليست أمرًا زائدًا على مسألة المعرفة، ولا حاشية أخلاقية تُضاف بعد اكتمال البناء، بل هي روح العمل كله، ومبدأ انتظامه، والمعيار الذي تُوزن به قيمة الجهد العلمي والفكري معًا. وإذا ضاعت الغاية، ضاع التمييز بين علمٍ يحرر الإنسان وعلمٍ يستتبعه، وبين معرفة تبني المجتمع ومعرفة تكدّس فيه الأدوات من غير روح. ومن هنا كانت بداية الخروج من أزمتنا ليست في رفض العلم الحديث، ولا في خصومة العالم، ولا في إغلاق الأبواب دون ما عند الآخرين، وإنما في استرداد حقنا في أن نسأل من داخلنا: ما العلم الذي نحتاجه؟ وما الإنسان الذي نريد أن نبنيه؟ وما المقصد الذي ينبغي أن تنتظم حوله حركتنا الفكرية والعلمية؟ فمتى استقام هذا السؤال، أمكن بعده أن نستفيد من كل معرفة نافعة، من غير أن نذوب في غيرنا، ومتى ضاع، ظللنا ننتج كثيرًا، ونبني قليلًا، ونتكلم بوفرة، من غير أن نصنع لأنفسنا عالم أفكارٍ يليق بنا، ويقدر على حملنا إلى طور جديد من أطوار الحياة.

No comments yet. Be the first.