بعد أن تناولنا في المقالين السابقين الفرق بين الإنتاج العلمي والإنتاج الفكري، ثم أشرنا إلى أثر الهيمنة المعرفية الحديثة في دفع كثير من المجتمعات إلى الإنتاج داخل أطر غيرها، يصبح من الضروري الانتقال إلى سؤال أعمق: ما طبيعة هذه الأطر أصلًا، وما الفرضيات الأولى التي قامت عليها حتى صارت لاحقًا منظومات فلسفية وسياسية واجتماعية متكاملة تُفرض علينا بوصفها أسمى إنتاج معرفي وأكثره دقة منذ بدء الخليقة. إذ لا يكفي نقد التبعية المعرفية من جهة الشكل، ما لم نفهم الأسس التي تأسست عليها المرجعيات المهيمنة من جهة المضمون. فالمشكلة في كثير من الأحيان لا تبدأ عند النتائج، بل عند المسلمات الأولى التي يُبنى عليها التفكير ثم تتراكم آثارها عبر القرون حتى تنتج تصورًا كاملًا عن الإنسان والعالم والدولة والمعنى.
من أهم المرتكزات التي قام عليها جانب واسع من البناء الفكري الغربي الحديث ذلك التصور الذي يجعل المادة مركز التفسير الأول للوجود، بحيث تُردّ الظواهر المختلفة ـ بدرجات متفاوتة ـ إلى أسباب مادية كامنة في العالم نفسه. والمقصود هنا ليس مجرد الاعتراف بوجود الجانب المادي في الإنسان والطبيعة، فهذا أمر لا ينازع فيه عاقل، وإنما تحويل المادة إلى المرجع النهائي الذي يُفسَّر به الإنسان والتاريخ والأخلاق والمعنى. ومن هنا تنشأ الواحدية المادية؛ أي النظر إلى الكون باعتباره حقيقة واحدة مغلقة، أصلها واحد ومصدرها واحد، ولا حاجة فيها إلى مرجعية تعلو عليها أو تتجاوزها. وضمن هذا الإطار يغدو الإنسان كائنًا يمكن فهمه بالكامل من خلال حاجاته البيولوجية، أو مصالحه الاقتصادية، أو دوافعه النفسية، دون اعتبار لبعده الروحي أو التكليفي أو الغائي.
ويقابل هذا في التصور الإسلامي ما يمكن تسميته المرجعية المتجاوزة، أي وجود حقيقة أعلى من العالم المادي، ليست جزءًا منه ولا مندمجة فيه، بل خالقة له ومحيطة به ومتعالية عليه. فالله سبحانه ليس قوة كامنة في الطبيعة، ولا مجموع قوانين الكون، ولا روحًا سارية في الأشياء، بل هو الخالق المنفصل عن خلقه، القائم بنفسه، المدبّر لهم. وهذه النقطة ليست مسألة لاهوتية مجردة، بل يترتب عليها أثر عميق في فهم الإنسان ذاته؛ إذ لا يُختزل الإنسان إلى عنصر من عناصر الطبيعة، لأنه يحمل نفخة الروح، ويملك قابلية المعرفة والاختيار والمسؤولية. ومن ثمّ فثمة مسافة وجودية وأخلاقية بين الخالق والمخلوق تحفظ للإنسان إنسانيته، وتحفظ للعبادة معناها، وللتكليف غايته.
وفي مقابل هذا التمييز، ظهرت عبر التاريخ أنماط فكرية يمكن إدراجها ضمن ما سماه بعض الباحثين النظم الحلولية، أي التصورات التي تذيب الفارق بين الخالق والعالم، فتجعل الإله حالًّا في الموجودات أو ممتزجًا بها بدرجة من الدرجات. وفي صورها القصوى يصبح الكون كله تجليًا واحدًا، وتغدو الموجودات أجزاء من حقيقة كبرى لا انفصال بينها. والنتيجة النهائية لهذا المسار هي إلغاء الحدود: بين الخالق والمخلوق، بين الإنسان والطبيعة، بين المعنى والمادة، بل أحيانًا بين الخير والشر أنفسهما، لأن المرجع المتجاوز الذي يمنح الأشياء معيارها قد تم استبعاده. وعندما يذوب كل شيء في كل شيء، يصبح من العسير الحديث عن كرامة إنسانية خاصة، أو رسالة أخلاقية متميزة، أو غاية عليا يتجاوز بها الإنسان مجرد البقاء والاستهلاك.
والمهم هنا أن كثيرًا من الأزمات الفكرية اللاحقة لم تبدأ من نظريات معقدة، ولا من مشاريع ضخمة وُلدت مكتملة، بل من افتراضات أولية بدت بسيطة في ظاهرها، حتى ربما مرّت على الناس دون مساءلة كافية: أن الإنسان كائن مادي أولًا، وأن دوافعه الأساسية يمكن ردّها إلى المنفعة أو الخوف أو الرغبة، وأن المجتمع ليس إلا تجمعًا لمصالح متنافسة، وأن القيم ليست إلا ترتيبات بشرية متغيرة. هذه المقدمات الصغيرة لم تبقَ في حدود الجدل الفلسفي، بل تحولت مع الزمن إلى عدسات يُنظر بها إلى الإنسان والتاريخ والسياسة والاقتصاد. وهنا وقع ما يشبه أثر الفراشة؛ إذ قادت فرضية محدودة إلى فلسفات كبرى، ثم إلى نظريات سياسية، ثم إلى مؤسسات وقوانين، ثم إلى مناهج تعليم، ثم إلى صورة عامة عن الإنسان والحياة يتشربها الناس من حيث لا يشعرون.
فالذي يبدأ بتعريف الإنسان باعتباره كائنًا يسعى إلى المنفعة فقط، سينتهي غالبًا إلى اقتصاد يختزل البشر في المستهلك والمنتج. والذي يبدأ بردّ السلوك إلى الخوف فقط، قد ينتهي إلى دولة تُبنى على الضبط والردع قبل الثقة والفضيلة. والذي ينكر المرجعية العليا، سيجد نفسه مضطرًا إلى جعل القوة أو المصلحة أو التوافق المؤقت مصدرًا نهائيًا للقيم. وعندما يكون الأساس ناقصًا، فإن البناء مهما بدا متماسكًا، ومهما حقق من كفاءة إدارية أو تقدم تقني، يظل يحمل الخلل في داخله؛ لأنه أغفل عناصر جوهرية في الطبيعة الإنسانية، مثل الروح، والضمير، والتوق إلى المعنى، والاستعداد الفطري للخير، والحاجة إلى الهداية، والحاجة كذلك إلى ما يسمو بالإنسان فوق مجرد البقاء والصراع والاستهلاك.
ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك سؤال نشأة الدولة في الفكر الغربي الحديث. فإذا جُرّد الإنسان من أبعاده العليا، أصبح لا بد من تفسير السياسة انطلاقًا من الإنسان الطبيعي فقط: هل هو عدواني مفترس لا يردعه إلا القهر كما رأى توماس هوبز؟ أم هو عقلاني قادر على التعاون وحفظ الحقوق كما ذهب جون لوك؟ ومن هنا ظهرت نظريات العقد الاجتماعي بوصفها محاولة للإجابة عن سؤال: كيف نمنع الإنسان من إيذاء أخيه الإنسان، أو كيف ننظم مصالح الأفراد المتنافسين؟
أما التصور الإسلامي فيتجاوز أصل الإشكال من جذوره، لأنه لا يبدأ بإنسان مبتور الصلة بخالقه، ولا بإنسان محصور في الغريزة والمصلحة، بل بإنسان مخلوق على الفطرة؛ أي مزود بقابلية معرفة الحق، ومهيأ لمحبة العدل، ومستعد لفعل الخير، مع وجود قابلية أخرى للهوى والانحراف والنسيان. فالإنسان في الإسلام ليس ملاكًا معصومًا ولا ذئبًا مفترسًا، بل كائن مركب فيه نوازع متعددة، ويحتاج إلى تربية ووحي وشريعة ومؤسسات عادلة تضبط حركته وتوجه طاقته. وبهذا لا يعود قيام الدولة مجرد أداة لكبح الشر، ولا مجرد شركة لإدارة المصالح، بل إطار لتحقيق العدل، وصيانة الكرامة، ورعاية الحقوق، وتمكين الإنسان من أداء رسالته في الأرض.
وهنا تصل الرسالة الأساسية للمقال: ليست كل منظومة متماسكة صحيحة، وليست كل حضارة ناجحة في بعض وجوهها صالحة لأن تُتخذ مرجعًا نهائيًا في فهم الإنسان. فقد ينجح البناء طويلًا، وتبقى العلة كامنة في أساسه. ولذلك فإن معركتنا الفكرية ليست مع منتج هنا أو نظرية هناك، بل مع المسلمات التي تُقدَّم لنا باعتبارها بديهيات لا تقبل النقاش. وإذا أردنا نهوضًا حقيقيًا، فلا يكفي أن نستهلك أدوات غيرنا، بل لا بد أن نستعيد حقنا في تعريف الإنسان من جديد، وفي بناء المعرفة من منطلق يراعي المادة ولا يعبدها، ويعترف بالعقل ولا يؤلّهه، ويمنح الإنسان مكانته التي تليق به عبدًا مكرمًا لا مجرد رقم في آلة العالم.
ملاحظة: المصطلحات الوصفية في هذا المقال مستقاة من كتابات د. عبدالوهاب المسيري
No comments yet. Be the first.