بعد أن انتهينا في المقال السابق إلى تشخيص المسلمات الأولى التي يقوم عليها كثيرٌ من البناء الفكري الغربي الحديث، وبيّنّا كيف تتحوّل الواحدية المادية، بفعل تراكمها عبر القرون، إلى منظومة متكاملة في تفسير الإنسان والدولة والمعنى، يحسن بنا الآن أن نتوقّف عند ثمرة من أخطر ثمرات ذلك التأسيس، وهي ثمرة لا تظهر دفعةً واحدة، بل تتسرّب في تفاصيل الحياة من غير أن يُتنبَّه إليها، حتى إذا اجتمعت وُجدنا أمام أزمة شاملة لا يدري الإنسان من أين أُتي، ولا إلى أيّ أصل تُردّ. تلك هي مسألة الغاية والمعنى، وما يترتّب عليها من إعادة تشكيل العالم من حول الإنسان، حين تُنتزع منه بوصلته العليا.
ذلك أنّ الواحدية المادية، إذا أُخذت على إطلاقها، لا تُبقي للحياة معنىً يعلو على المادة نفسها. فإنّ المرجع الأعلى إذا حُذف، وذابت الحدود بين الخالق والمخلوق على نحو ما تقدّم بيانه، انغلق العالم على ذاته، وانقطعت الأشياء عن غاية تتجاوزها. وعند ذلك يصير العمل الإنساني، في أعمق طبقاته الفلسفية، حركةً دائرية لا تخرج عن المادة في شيء: فالإنسان يكدّ ليلًا ونهارًا ليحصّل مادةً، ثم يصرف تلك المادة على مادة، في سبيل مادة، وهو ذاته – في هذا النموذج – مادةٌ بين الموادّ. والحياة، إذا اختُزلت على هذا الوجه، تغدو دورانًا لا غاية له خارج ذاته، وكدًّا بلا أفق، وحركةً لا تنتهي إلى ما يعلو على ما تتحرّك بسببه.
ومن هنا يتبيّن لماذا كان نموّ العلم الطبيعي الحديث، حين يُسلَّط على الإنسان نفسه، يُنتج معرفةً منفصلةً عن القيم. فإنّ هذا العلم في أصل نشأته إنّما وُضع للتعامل مع الأشياء بمنطق الأشياء: يقيسها، ويصنّفها، ويستخرج قوانينها، ولا يطرح عليها سؤال الغاية، إذ ليس ذلك من شأنه. فإذا نُقل هذا المنهج بعينه إلى الإنسان، عُومل الإنسان كذلك بمنطق الأشياء؛ تُدرس فيه السلوكيات كأنّها ظواهر طبيعية، وتُحلَّل اختياراته كأنّها ردود أفعال قابلة للقياس، وتُختزل دوافعه إلى متغيّرات يمكن تنميطها. بل إنّ من أعمق ملاحظات تاريخ العلم الحديث أنّ تقدّمه ارتبط في كثير من المراحل بانفصاله عن القيمة والغائية، حتى صار "العلم الموضوعي"، بحسب التعريف السائد، هو ما يستبعد كلّ ما لا يقبل الكمّ والقياس، ومن ذلك المعنى نفسه.
وإذا تأمّلنا الحضارات على امتداد التاريخ، وجدنا أنّ الحضارات المادية في وجوهها المختلفة، الوثنية القديمة والعلمانية الحديثة، تتشابه في موضع جوهري وإن تباعدت في أشكالها؛ وهو وضعها للمادة في مركز الكون، وتقديمها أسبقيةَ المادي على المعنوي. فالوثنية القديمة كانت تؤلّه ما هو مادي مرئي، من نجمٍ أو شجرةٍ أو حجرٍ أو قوّةٍ طبيعية، ثم تنظّم حياتها حول هذا التأليه. والعلمانية الحديثة، وإن أبت أن تتسمّى بالوثنية، تشترك معها في الجوهر حين تجعل المادة، وما يتفرّع عنها من قوّة وإنتاج واستهلاك، هي المرجع النهائي الذي تُحاكَم إليه الحياة. وليس الاختلاف بين الحضارتين، إذن، في الموقف من المادة، وإنّما في الصورة التي تأخذها في عقل الإنسان؛ فهي هناك آلهةٌ تُعبد، وهي هنا قوانينُ تُتبع، ومنتجاتٌ تُشترى، وأرقامٌ تُراكَم. ومن ثمّ كان طبيعيًا أن تنتهي الحضارات المادية، على اختلاف عصورها، إلى أزمات متشابهة في بنيتها العميقة، وإن تفاوتت في تجلّياتها السطحية.
ومن أبرز هذه الأزمات ما يُسمّى بأزمة المعنى؛ وليس المقصود بها مجرّد ضيقٍ نفسي عابر، وإنّما حالةٌ بنيوية تصيب الإنسان حين تنغلق عليه الحياة على ذاتها، وتفقد ما يجعلها قابلةً للتفسير من خارج تفاصيلها اليومية. ولهذه الأزمة تعبيراتٌ اصطلاحية تكوّنت في علم الاجتماع والفلسفة الحديثين، وقد أحسن د. عبد الوهاب المسيري في توظيفها داخل تحليله الأوسع للنموذج المادي. فثَمّ الاغتراب، حيث يُحسّ الإنسان أنّه غريبٌ عن عمله وعن منتوجه وعن مجتمعه ثم عن ذاته أخيرًا؛ وثمّ اللامعيارية، حيث تتفكّك العلاقة بين الفرد والمعايير التي يفترض أن تنظّم حياته، فيتحرّك في فراغ قيمي لا يدري إلى أيّ شيء يستند؛ وثمّ التشيّؤ، حيث تتحوّل العلاقات الإنسانية، والإنسانُ نفسه، إلى ما يشبه الأشياء، تُتداول وتُحسب وتُقاس بمعايير السوق؛ وثمّ التسرّع، حيث تتعجّل الحياة على الإنسان فلا يجد فرصةً ليسأل: إلى أين؟ ولماذا؟ بل يُدفع دفعًا في تيارٍ لا يُمسك له بطرف. وقد كان الأدب الحداثي، في الغرب وفي العالم العربي على السواء، من أصدق المرايا التي عكست هذه الأزمة، حتى صار الإنسان العربي يعبّر بها عن نفسه أحيانًا من غير أن يتنبّه إلى أنّها ليست أزمته الأصلية، وإنّما هي أزمة عالمٍ آخر طرأت عليه طروء التلوّث على ماءٍ كان يمكن أن يبقى صافيًا.
ولأنّ الإنسان لا يحيا على فراغ، ولا يطيق الإقامة الطويلة في حال انعدام الغاية، فإنّ المنظومة المادية سعت إلى ملء هذا الفراغ بما تستطيع أن تنتجه من داخلها. ومن هنا برز الاستهلاك ركيزةً مركزيةً لا في الاقتصاد فحسب، بل في تشكيل صورة الإنسان عن نفسه. فالنظام الرأسمالي، في صورته الحديثة، لم يكن مجرّد ترتيب لإنتاج الثروة وتبادلها، بل صار، في طبقاته العميقة، عرضًا للمعنى البديل: تشتري إذن أنت موجود، وتستهلك إذن أنت ذو قيمة، وتترقّى في سُلَّم الحيازة إذن أنت تتقدّم في الحياة. وكلّما اشتدّ إحساس الإنسان بفراغ الغاية، فُتح له بابٌ جديد من الاستهلاك يُلهيه عن السؤال، فإذا فرغ ابتدأ في طلب الذي يليه، وهكذا يجترّ نفسه في حلقة لا تنفكّ، تنتهي بالإنسان إلى ما بدأنا به في أوّل هذا المقال: أن يجمع المادة ليصرفها على المادة في سبيل المادة، وهو نفسه يُساق في هذه الدورة وقد فُقد قدرته على رؤيتها من خارجها.
وحين بلغت هذه المنظومة من التناقضات الداخلية ما بلغت، ظهرت الشيوعية في القرن التاسع عشر بوصفها مشروعًا منافسًا، ومتنفّسًا لكلّ من ضاق بالاستغلال الذي اقترن بالرأسمالية المتوحّشة. ولكن المهمّ أن نلاحظ أنّ الشيوعية، على ما بينها وبين الرأسمالية من خصومةٍ ظاهرة، لم تكن قطيعةً مع الواحدية المادية، وإنّما كانت إعادة ترتيب لها على وجهٍ آخر. فالتفسير المادي للتاريخ، واختزال الإنسان إلى علاقاته الاقتصادية، وإحالة الدين والأخلاق إلى بنيةٍ فوقية تابعة للقاعدة المادية، كلّ ذلك يكشف أنّ النظامين شقيقان من أبٍ واحد، يختلفان في توزيع الثمرة، ويتّفقان في أصل الشجرة. ولهذا حين سقطت الشيوعية في صورتها التاريخية، لم يكن سقوطها انتصارًا للروح على المادة، وإنّما كان غلبةً لصورة من صور المادية على صورة أخرى منها، وبقي الإنسان في ذات الإطار يجترّ ذات الأزمة، إن لم تكن أعمق وأشدّ إحكامًا.
وقد شعرت المؤسسات التعليمية الحديثة، بعد طول مسير في هذا الطريق، أنّ ثمّة خللًا لا يمكن التهرّب منه إلى الأبد، فاحتاجت إلى أن تستدرك جانب الأخلاق الذي حذفته من بنيتها الأصلية. ومن هنا ظهرت مقرّرات "الأخلاقيات" و"أخلاقيات المهنة" و"الأخلاقيات التطبيقية" في الجامعات الكبرى، تُضاف إلى المناهج بوصفها مادّة مكمّلة، يُحرص على وجودها لأنّ غيابها صار فاضحًا. غير أنّ هذه المقرّرات، على وجاهتها الظاهرة، تجلس في النظام التعليمي كأنّها دخيلةٌ عليه، طارئة على جسده، حتى يكاد الطالب يحسّ أنّها تُضاف بمنطق السدّ لا بمنطق التأسيس. وذلك لأنّ الأخلاق، في هذه البنية، ليست أصلًا فيها، ولا تربةً تنبت منها المعرفة، وإنّما هي مُلحقٌ يُلحَق بعد اكتمال البناء، ويُطلب منه أن يحرس بنيةً لا يستطيع أن يصلح أصلها. ومن ثمّ يخرج الطالب إلى الحياة المهنية وقد فصل بين ما تعلّمه عن الأخلاق وما تعلّمه عن العمل، فيتحرّك بمقتضى الثاني، ويتذكّر الأوّل عند الأزمات أو في خطابات المؤتمرات.
وهنا يظهر الفرق العميق بين تصوّرٍ للعلم تكون فيه الأخلاق أصلًا متجذّرًا، وتصوّرٍ آخر تكون فيه ملحقًا مستعارًا. ففي التصوّر الإسلامي، كما تقدّمت الإشارة إليه في مقالنا الثاني، العلم متّصلٌ ابتداءً بالأمانة والعبودية والعمران والعدل، فلا يحتاج إلى أن يستجلب الأخلاق من خارجه، لأنّها مكوّنةٌ في أصل بنيته. وأمّا في التصوّر المادي، فإنّ العلم نشأ على فرضية إقصاء القيمة من المنهج ضمانًا لـ"الموضوعية"، ثم وُجد بعد قرون أنّ هذا الإقصاء أنتج إنسانًا قويًا في أدواته، فقيرًا في معناه، فلجأت المؤسسات إلى استدراك الأخلاق بإلصاقها على جسدٍ لا يقبلها إلّا قبول الجسم للجسم الغريب. والمقصود من هذا ليس إنكار جدوى هذه المقرّرات، ولا الإزراء بمن يحاول إصلاحًا من داخل النظام القائم، وإنّما التنبيه إلى أنّ أزمة المعنى لا تُحلّ بإضافاتٍ تجميلية، ولا بترقيعاتٍ أخلاقية، وإنّما بإعادة بناء التصوّر من جذره، حتى ينبثق العلم والعمل والحياة من رؤيةٍ تصل الإنسان بغايته، وتنتزعه من دائرة "المادة في سبيل المادة"، إلى أفقٍ يعرف فيه لماذا يعيش، ولِمن يعمل، وإلى أين يسير. وهذه نقطة سنحتاج إلى تفصيلها في المقالات اللاحقة، حين نتناول كيف يبني التصوّر الإسلامي الإنسانَ من داخله، ولا يكتفي بضبط سلوكه من خارجه.
يتبع....
ما شاء الله ممتاز تابع .. وفقك الله لما يحب