قلنا في خاتمة المقال السابق إنّ المخرج لا يكون "بإضافاتٍ تجميلية، ولا بترقيعاتٍ أخلاقية، وإنّما بإعادة بناء التصوّر من جذره، حتى ينبثق العلم والعمل والحياة من رؤيةٍ تصل الإنسان بغايته، وتنتزعه من دائرة 'المادة في سبيل المادة'، إلى أفقٍ يعرف فيه لماذا يعيش، ولِمن يعمل، وإلى أين يسير". وآن لنا الآن أن نشرع في هذا البناء فعلًا، لا أن نكتفي بالإشارة إليه من بعيد.
والمدخل إلى هذا البناء يبدأ من نقطة قد تبدو، للوهلة الأولى، بعيدةً عمّا يتوقّعه القارئ في مقالٍ يتحدّث عن أنظمة السياسة والاقتصاد والمعرفة والأخلاق والمعنى والجمال؛ وذلك أنّ هذه الأنظمة كلّها، على تشعّبها وتنوّعها، تستند في نهاية المطاف إلى جوابٍ واحد عن سؤالٍ واحد: ما هو الإنسان؟ فكلّ نظامٍ في الوجود، شاء أصحابه أو أبَوا، يحمل في باطنه تصوّرًا عن الإنسان الذي يخاطبه ويتوجّه إليه. وإذا اختلف التصوّر في الأصل، اختلف النظام في فروعه ومآلاته. ولهذا لا يستقيم لنا أن نتحدّث عن "اقتصادٍ"، أو "تعليمٍ"، أو "سياسةٍ"، ما لم نحسم أوّلًا جوابنا عن سؤالٍ سابقٍ على كلّ ذلك: من هو الإنسان الذي نبني له ومعه؟
وقد طرح د. عبد الوهاب المسيري في موسوعته السؤال على هذا النحو الحاسم: هل الإنسان مادة وحسب، أم هو مادةٌ ومتجاوزٌ للمادة في الوقت نفسه؟ وما يلفت النظر في هذا السؤال أنّه يبدو فلسفيًا مجرّدًا في صياغته، ولكنّ الإجابة عنه تتفرّع عنها كلّ التفاصيل التي يعيشها الإنسان في يومه: من نوع التعليم الذي يتلقّاه، إلى صورة العائلة التي يبنيها، إلى نمط العمل الذي يمارسه، إلى مفهوم الحرّية الذي يدافع عنه، إلى الفنون التي يستمتع بها. فإن قلتَ إنّ الإنسان مادة وحسب، انفتح أمامك بابٌ كامل من الأنظمة والقيم. وإن قلتَ إنّه مادة وما يتجاوز المادة، انفتح أمامك بابٌ آخر مختلفٌ في أصوله ومآلاته.
أمّا إذا أُخذ بالطريق الأوّل، أي القول بأنّ الإنسان مادة وحسب، خاضعٌ لقوانين الحركة كما تخضع لها سائر المادة، فإنّ النتيجة الحتمية أنّه يستمدّ معياره الأخلاقي والمعرفي والاجتماعي من المادة نفسها، إذ ليس له مرجعٌ غيرها يستمدّ منه. وحدود المادة، عندئذٍ، هي حدوده، فيغدو كائنًا أحاديّ البُعد، قابلًا للاختزال إلى دوافعه البيولوجية، أو علاقاته الإنتاجية، أو نمطه العصبي، أو خوارزمياته السلوكية. وقد تختلف المدارس فيما بينها في أيّ هذه الاختزالات أولى من غيرها، ولكنّها تتّفق جميعًا على المبدأ نفسه: أنّ الإنسان لا يخرج عن قبضة المادة، ولا يحتاج إلى ما هو فوقها لتفسيره. ومن هنا يمكن للمتأمّل أن يفهم ما ذهب إليه ميشيل فوكو حين بيّن كيف تتشكّل "الذات" بفعل خطابات السلطة والمعرفة، فلم يكن ينظر إلى الإنسان بوصفه جوهرًا ثابتًا، بل بوصفه نتيجةً لشبكات تتقاطع فيها القوى الاجتماعية والمؤسسية. ولم يكن في ذلك مبدعًا من فراغ، وإنّما كان قارئًا أمينًا للفرضية المادية إلى منتهاها. وكذلك إذا نظرنا إلى التقليد الاقتصادي منذ آدم سميث، وجدناه يُعرّف الإنسان أوّل ما يُعرّفه بوصفه فاعلًا اقتصاديًا عقلانيًا، يسعى إلى تعظيم منفعته، وتُختزل علاقته بأخيه الإنسان إلى علاقة تبادلٍ في السوق. وليس هذا الاختزال زلّةً في فكر سميث، بل هو منطقٌ متّسق مع الفرضية المادية التي ينطلق منها.
ولعلّ من أعمق نتائج هذا الطريق ما يصل إليه في آخره من إنكارٍ، في الجوهر، لمفهوم "الإنسانية المشتركة". ذلك أنّ القول بأنّ ثمّة جوهرًا إنسانيًا واحدًا يجمع بني آدم على اختلاف ظروفهم وأزمنتهم، هو في حقيقته قولٌ بنقطة ثباتٍ تعلو على حركة المادة، وتُفلت من قبضة الصيرورة. والمنظومة المادية، بحكم منطقها الداخلي، لا تستطيع أن تقبل مثل هذه النقطة، لأنّها تعني وجود ما يتجاوز المادة، وهو ما تنكره ابتداءً. ولذلك تنتهي الفلسفات المادية، في صورتها المتّسقة مع نفسها، إلى تفكيك مفاهيم الكرامة والحقوق والإنسانية، وإحالتها إلى ترتيباتٍ تاريخيةٍ ومصالح متغيّرة، حتى وإن استعملت ألفاظها في الخطاب العام. والمفارقة أنّ هذه الفلسفات تتحدّث كثيرًا عن "حقوق الإنسان" و"كرامته"، ولكنّها تفعل ذلك بلا أرضٍ تقف عليها، إذ أنكرت الأرض من قبل.
أمّا إذا أُخذ بالطريق الثاني، أي القول بأنّ الإنسان مادة وما يتجاوز المادة، فإنّ المشهد يتغيّر تغيّرًا جذريًا. ففي المنظومات التوحيدية يُسمَّى هذا البُعد المتجاوز بـ"الروح"، وفي بعض المنظومات الإنسانية (الهيومانية) يُعطى أسماء أخرى، ولكنّ الفكرة المشتركة بينها أنّ في الإنسان شيئًا لا يُختزل إلى مادّته. وحدود الإنسان عندئذٍ ليست حدود المادة، بل تتجاوزها، فيغدو كائنًا متعدّد الأبعاد، قادرًا على معرفة الحق، ومحبّة العدل، ومجاهدة هواه، والصبر على ما لا تطيقه دوافعه المباشرة، والتضحية بمصلحته الآنية لأجل ما هو أعلى منها. وهذه قدراتٌ لا يمكن تفسيرها تفسيرًا ماديًا خالصًا إلّا بقدرٍ من التعسّف لا يخفى على المتأمّل. ولسنا هنا بصدد إثبات هذه الأطروحة على وجه الاستقصاء، فلعلّ في مقالٍ لاحقٍ فرصةً لذلك، وإنّما الذي يعنينا الآن هو ما ينبني على هذا التصوّر من نتائج عملية في بناء الأنظمة التي يحياها الإنسان.
فإذا انطلقنا من أنّ الإنسان مادة وروح، وأنّ له غايةً تتجاوز البقاء البيولوجي والاستهلاك المتكرّر، تغيّرت كلّ منظومة من حولنا في موقعها وفي معناها. تغيّر تعريف المعرفة أوّلًا، فلم تعد محصورة فيما يقبل القياس والتجريب، بل اتّسعت لتشمل ما يصل إلى الإنسان من الوحي، وما يستنبطه العقل في إطار هذا الوحي، وما يدركه القلب من معانٍ لا تُحَدّ بالكمّ. ولا يعني هذا أنّ العلم التجريبي يُلغى، بل يُحفظ في مجاله الذي يحسنه، وهو فحص الأشياء بمنطق الأشياء، ولكن لا يُسمح له أن يَنصِب نفسه قاضيًا على ما ليس من اختصاصه، كالقيم والغايات والمعاني.
وتغيّر تعريف الأخلاق؛ فلم تعد ملحقًا يُضاف بعد البناء، كما رأينا في المقال السابق، بل صارت مكوّنًا أصيلًا في كلّ معرفةٍ وعمل، لأنّ الإنسان نفسه كائنٌ مسؤولٌ مكلّف، يُسأل عمّا فعل وما لم يفعل، وعمّا قال وما لم يقل. والمكلّف لا يمكن أن يكون عمله محايدًا، ولا أن تكون معرفته بمعزل عن مسؤوليته. وكذلك تغيّر تعريف السياسة والدولة؛ فلم تعد آلةً لكبح الشرّ كما رأى هوبز، ولا شركةً لإدارة المصالح كما يمكن أن يُستخلص من بعض قراءاتٍ للوك، بل صارت إطارًا لتحقيق العدل، وحماية الكرامة، وتمكين الإنسان من أداء رسالته في الأرض. ومن هنا تنبثق في التراث الإسلامي مفاهيم كـ"الإمامة" و"الراعي والرعية" و"العمران"، وهي مفاهيم لا تختزل العلاقة بين الحاكم والمحكوم في عقد منفعةٍ تبادلي، وإنّما تضعها في إطار تكليفٍ جماعيّ نحو غايةٍ مشتركة.
وتغيّر تعريف الاقتصاد؛ فلم يعد علم تبادل السلع بين فاعلين يسعى كلٌّ منهم إلى أقصى منفعته، بل صار علم تدبير الموارد لخدمة الإنسان في رسالته الكبرى. ومن هنا جاءت ضوابط الشريعة في تحريم الربا، والحثّ على الصدقة، وتنظيم الإرث، وحماية الضعيف، وكرامة العامل، وغير ذلك ممّا يدخل في باب "فقه المعاملات". وكلّ هذه الضوابط، إذا قُرئت على وجهها، تكشف عن تصوّرٍ للاقتصاد لا يفصله عن الإنسان، ولا يفصل الإنسان عن غايته العليا.
وتغيّر تعريف المعنى والجمال؛ فلم يعد المعنى ما يخترعه الإنسان لنفسه ليسدّ به فراغًا فلسفيًا، ولم يعد الجمال مجرّد لذّةٍ حسّيّةٍ يبحث عنها الذوق، بل صار المعنى متّصلًا بالغاية التي خُلق لها الإنسان، وصار الجمال انعكاسًا لنظامٍ أعلى في الكون يدلّ على خالقه. والذي يتأمّل في الفنون الإسلامية الكبرى، من الخطّ إلى العمارة، يدرك كيف كانت تشتغل في هذا الأفق، فلا تنفصل فيها الزينة عن المعنى، ولا الشكل عن الوظيفة، ولا الجمال عن العبادة.
ويبقى أن نسأل: ولِمَ كلّ هذا؟ ما الغاية الجامعة التي تنتظم حولها هذه الأنظمة كلّها؟ والإسلام يجيب عن هذا السؤال بجوابٍ بسيطٍ في عبارته، عميقٍ في دلالته: الغاية هي عمارة الأرض وعبادة الله فيها بمختلف وجوه هذه العبادة. فالعمارة ليست مجرّد بناءٍ مادي، وإن دخل فيه ذلك، وإنّما هي تطوير الحياة ورعايتها وفق ما يحفظ كرامة الإنسان ويصلح علاقاته بمن حوله وبما حوله. والعبادة ليست مقصورةً على الشعائر، وإن كانت الشعائر روحها، وإنّما تمتدّ إلى كلّ عملٍ صالحٍ ابتُغي به وجه الله، من إتقان مهنة، إلى صلة رحم، إلى طلب علم، إلى عدلٍ بين الناس، إلى رعاية أرضٍ أو حيوانٍ أو نبتة. وهاتان الغايتان متلازمتان، فلا عمارةَ بلا عبادة، ولا عبادةَ كاملة بلا عمارة. وحين يجد الإنسان نفسه ضمن هذا الأفق، يكفّ عن السؤال الحائر الذي طرحناه في المقال السابق: "لماذا أعيش؟"، ويجد جوابًا متماسكًا يجمع شتات يومه في خيطٍ واحد.
والذي يفرّق هذه الرؤية عن غيرها أنّها لا تكتفي بمنح الإنسان أدواتٍ، ولا بضبط سلوكه من خارجه، وإنّما تبني فيه إنسانه من داخله، بأن تربطه بمعناه وبغايته منذ السطر الأوّل في كلّ ما يتعلّمه ويعمله. وهذه هي النقطة التي وعدنا بها في خاتمة المقال السابق، وقد فتحنا فيها بابًا، وسنحتاج في مقالاتٍ لاحقةٍ إلى أن نَلج كلّ غرفةٍ من غرفها على حدة، ونرى كيف تتشكّل هذه الرؤية حين تنزل إلى ميدانٍ بعينه: التعليم، أو الأسرة، أو الاقتصاد، أو السياسة، أو الفنّ. ولكنّ التأسيس الذي بنيناه هنا هو الشرط الذي بدونه يصبح كلّ كلامٍ في الفروع كلامًا في الهواء.
يتبع....
طرحٌ عميق يذكّرنا بأن أزمة الأنظمة تبدأ من التصور الخاطئ للإنسان، وأن إصلاح الفروع لا يكتمل دون تصحيح الأصل.
كل مقال أقوى من الذي قبله ويكمله، سلسلة موفقة. بانتظار المزيد.