All Posts · جميع المقالات
Essay · مقالة
المشروع: سياق تحليلي 06 المشروع: سياق تحليلي 06

ماذا لو كانت "الندرة" التي يُؤسَّس عليها الاقتصاد الحديث ليست قانونًا طبيعيًا، بل فرضيةً مصنوعة؟ وماذا لو كانت "الرغبات اللا متناهية" التي يبني عليها السوق مرضًا في النفس البشرية لا حقيقةً فيها؟

كنّا قد انتهينا في المقال السابق إلى أنّ كلّ منظومةٍ يَحياها الإنسان — في معرفته، وأخلاقه، وسياسته، واقتصاده، ومعناه، وجماله — تَستند في عمقها إلى جوابٍ عن سؤالٍ سابقٍ عليها: ما هو الإنسان؟ وقلنا إنّ هذه المنظومات لا تُفهم على حقيقتها ما لم تُقرأ في ضوء هذا الأساس، ووعدنا أن نَنتقل بعد ذلك إلى تنزيل هذا التصوّر على ميادين الحياة الواحد تلو الآخر. ونَختار الاقتصاد مدخلًا أوّل، لأنّه أكثر الميادين التي يُلمس فيها أثر الفرضيات الفلسفية على حياة الناس اليومية، وأشدّها استعمالًا للأدوات النظرية في تشكيل الوعي الجمعي عبر التعليم والإعلام والممارسة. والمدخل الذي اخترناه ليس مفهومًا فرعيًا في الاقتصاد، بل المسلَّمة الأولى التي يَقوم عليها كلّ ما يُدرَّس باسم "علم الاقتصاد الحديث": مسلَّمة الندرة.


تُعرَّف الندرة، في كتب الاقتصاد المتداولة، بأنّها "رغبات بشرية لا متناهية مقابل موارد محدودة". وتُقدَّم هذه الصياغة بوصفها قانونًا طبيعيًا، وحقيقةً موضوعيةً تَكتشفها عين الباحث ولا تَصنعها، فيُبنى عليها كلّ ما بعدها: السوق، والمنافسة، والسعر، وضرورة النموّ الدائم، وغير ذلك ممّا يَملأ المناهج والخطاب الاقتصادي. غير أنّ المتأمّل في هذه الصياغة، إذا أعطاها حقّها من النظر، يدرك أنّها ليست قانونًا طبيعيًا في شيء، وإنّما هي فرضيةٌ مُركَّبةٌ من شطرين، كلاهما مصنوع لا مكتشف.


أمّا الشطر الأوّل، وهو القول بأنّ الرغبات الإنسانية لا متناهية، فهو من أعجب ما يُقال على أنّه بدهيّ، إذ لا يَحتاج إلى كبير تأمّل ليُعرف أنّه ليس وصفًا للطبيعة الإنسانية في عمومها، وإنّما هو وصفٌ لإنسانٍ بعينه، صاغته منظومةٌ بعينها، في زمنٍ بعينه. فالإنسان الذي يَكتفي بقوته وكسوته ومسكنه، ويَصرف ما زاد على ذلك في غير الاستهلاك، ليس كائنًا خياليًا، بل هو الإنسان الذي عاش طوال التاريخ تقريبًا قبل أن تَأتي الرأسمالية الحديثة. ولكنّ "الرغبات اللا متناهية" تحوّلت إلى بديهيّة حين صار النظام الاقتصادي يَحتاج إلى ضمان دورانه عبر تحفيز الاستهلاك المستمرّ، فاحتاج إلى مستهلكٍ لا يَشبع، فأنتجه عبر التعليم والإعلام والإعلان والثقافة العامة، حتى صار الإنسان المعاصر يَنظر إلى عدم اكتفائه بوصفه طبيعةً فيه، لا مرضًا أصابه.


وهذه النقطة بعينها هي ما ربطناها في المقال الرابع بأزمة المعنى. فحين تَفقد الحياة غايتها العليا، ينغلق الإنسان على المادة، فيصير الاستهلاك بديلًا للمعنى، وكلّما اشتدّ شعوره بالفراغ ازداد طلبه للمزيد ممّا لا يَملؤه. أي أنّ "الرغبات اللا متناهية" هي، في حقيقة الأمر، عرضٌ من أعراض اضطرابٍ فلسفي عميق، لا حقيقةً في طبيعة الإنسان. ومن المفارقات أنّ الاقتصاد الحديث، بدل أن يَرى في هذا اللا تناهي مرضًا يَستوجب العلاج، اتّخذه نقطة انطلاقٍ يَبني عليها كلّ ما بعدها، وكأنّه يُدخل اعتلال المريض في تعريف الصحّة، فيَجعل المرض هو المعيار.


أمّا الشطر الثاني، وهو القول بأنّ الموارد محدودة، فهو في ذاته صحيحٌ إذا أُخذ على إطلاقه العام، إذ ليس على وجه الأرض ما لا يَنفد. غير أنّ ما يَخفى من حقيقة هذا الشطر أنّ "المحدودية" التي يَتحدّث عنها الاقتصاد الحديث ليست هي المحدودية المطلقة في الكون، وإنّما هي محدوديةٌ مصنوعةٌ ضمن ترتيبٍ معيّن لتداول الموارد. وهنا تُعيننا دراسات الأنثروبولوجيا الاقتصادية، كتلك التي قدّمها كارل بولاني في كتابه "التحوّل الكبير"، وما أشار إليه مارشال ساهلينز حين تحدّث عمّا سمّاه "مجتمع الوفرة الأصلي"، إذ بيّنا أنّ المجتمعات قبل ظهور النظام الرأسمالي الحديث لم تكن تَعيش في "ندرة" بالمعنى المُدَّعى اليوم، وإنّما كانت تَعيش وفرةً نسبيةً ضمن أنماطٍ مختلفة من تدبير الموارد: المشاعات، وعلاقاتٍ متشعّبةٍ من العطاء والتبادل، وترتيباتٍ قائمةٍ على الكفاية لا على التراكم. وحين جاءت موجة "التسييج" في إنجلترا، التي حوّلت المشاعات إلى ملكيات خاصّة، وحين جاء الاستعمار الذي فتّت اقتصادات المجتمعات الأخرى ليُدخلها قسرًا في نظام السوق العالمي، صُنعت الندرة صنعًا، ثمّ قُدِّمت للأجيال التالية بوصفها قانونًا أزليًا. فالندرة، إذن، ليست أصلًا في طبيعة الموارد، بل في طبيعة النظام الذي يَحكمها.


والمفارقة التي يَلمسها كلّ إنسانٍ بحسّه الفطري، إذا أزاح عن عينيه غشاوة المنهج المُلقَّن، هي أنّ النظام نفسه الذي يُلقّن في المدارس والإعلام أنّ "الموارد شحيحة فتنافسوا عليها"، يُنتج في الوقت ذاته صورةً ساطعةً من الوفرة المختلّة: أفرادٌ يَملك الواحد منهم أكثر من ميزانيات دولٍ كاملة، وثرواتٌ تَتراكم في أيدي قلّةٍ تُقاس بالنسب المئوية لا بالأعداد، بينما في الجانب الآخر ملايين البشر لا يَجدون قوت يومهم، ومناطق تَختفي من الخارطة الاقتصادية لأنّها لم تَعد قادرةً على الإنتاج بالشروط التي حُدّدت لها من خارجها. ولو كانت الندرة حقيقيةً بالمعنى المطلق الذي يُلقَّن في الدروس، لاستحالت رياضيًا هذه التراكمات، إذ لا يَستقيم منطقيًا أن نَقول "الموارد محدودة" ثم نَرى فردًا واحدًا يَملك ما يَكفي لإطعام شعوبٍ بأكملها. القضية، إذن، ليست ندرةً طبيعيةً في الموارد، بل ترتيبٌ توزيعيٌّ يَجعل الندرة قَدَر الأغلبية، والوفرة امتيازَ قلّةٍ، ثمّ يُسمَّى ذلك "السوق الحرّ".

وممّا يَزيد الأمر إحكامًا أنّ هذا الترتيب لا يَكتفي بأن يَفرض نفسه على الواقع، بل يَفرض نفسه كذلك على الوعي. فالمدارس تُلقّن طلابها أنّ علم الاقتصاد هو هذا التعريف للندرة وما يَتفرّع عنه، ولا تَفتح أمامهم بابًا لمساءلة الأساس الذي قام عليه. والإعلام والإعلان يُغذّيان "الرغبات اللا متناهية" ساعةً بعد ساعة، فيُقدّمان الاستهلاك دليلَ النجاح، والادّخار ضعفَ الطموح، والقناعة كسلًا في مظهر الفضيلة. وحين يَفكّر فردٌ في تجاوز هذا الإطار، يَجد نفسه يَفتقر إلى المفردات التي يَتحدّث بها، لأنّ المنظومة لم تَسيطر على الإجابات وحدها، بل سيطرت كذلك على نطاق الأسئلة التي يُسمح بطرحها، كما نبّهنا في المقال الثاني حين تحدّثنا عن فوكو والإطار المؤسّسي للمعرفة.


والإسلام، في مواجهة هذا كلّه، لا يَنطلق من إنكار الرغبات الإنسانية، فهذا تَعسّفٌ في تفسير الإنسان، وإنّما يَنطلق من إعادة ترتيبها وضبطها وتوجيهها. فهو يَعترف بأنّ في الإنسان شَرَهًا، ويَصف ذلك بصراحةٍ قاطعةٍ في الحديث: "لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى ثالثًا، ولا يَملأ جوف ابن آدم إلا التراب". غير أنّ هذا الوصف لا يُقدَّم بوصفه طبيعةً ينبغي البناء عليها، كما تَفعل الاقتصادات المادية، بل بوصفه اعتلالًا في النفس البشرية يَستوجب العلاج. ومن هنا يَبني الإسلام منظومةً متكاملة لضبط هذه الرغبات وردّها إلى ما يَليق بالإنسان المكرَّم. فعلى مستوى الفرد، يُربَّى المسلم على القناعة، وعلى الزهد فيما زاد عن الحاجة، وعلى أنّ "الغنى غنى النفس"، وأنّ خير الناس من طال عمره وحَسُن عمله لا من كَثُر ماله. ويُعلَّم أنّ ما زاد على الكفاف ليس بالضرورة خيرًا، بل قد يكون عبئًا يوم القيامة إن لم يُصرف في وجهه، وأنّ "ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًا من بطنه"، وأنّ الإسراف مذمومٌ ولو في ماء الوضوء على شطّ النهر.


وعلى مستوى المؤسسة، لا يَترك الإسلام ضبط الرغبات للضمير الفردي وحده، فهو يَعلم أنّ النفس لو تُركت في غير حصن، ضَعفت أمام ضغط الواقع المتراكم وإلحاح المحيط. ولذلك يَنشئ بنيةً مؤسّسيةً تُحاصر التراكم الفاحش من جهاتٍ متعدّدة: الزكاة تأخذ من المال جزءًا واجبًا فتُعيد توزيعه على المحتاجين، فلا يَستقرّ المال في يدٍ واحدةٍ سنواتٍ متطاولة. وتحريم الربا يَمنع أن يَتضاعف المال بمجرّد الوقت من غير عملٍ ولا مخاطرة، فيَكسر آليّة التراكم العقيم التي تُضخّم الثروات وتُفقر العامّة. وأحكام الإرث تُفتّت الثروة على الأبناء والورثة، فلا تَستقرّ السلالات الاقتصادية كما تَستقرّ في الأنظمة الأخرى. والأوقاف تَحفظ موارد جماعيةً دائمة لا تُملك ملكيةً خاصة، فتُعيد إحياء فكرة المشاعات بصيغةٍ مؤسّسيةٍ راقية. وكلّ هذه الآليّات، إذا قُرئت معًا، تَكشف عن منظومةٍ لا تَرى التراكم فضيلةً تُكافأ، بل خطرًا يُدبَّر، ولا تَرى "الرغبات اللا متناهية" حقيقةً تُبنى عليها، بل اعتلالًا يُداوى.


ومن هنا تَنشأ المسافة الكبرى بين النظامين: نظامٌ يَبني على إنسانٍ مفروضِ السقم، ثمّ يَجعل سقمه قانونًا ينتظم به العالم؛ ونظامٌ يَعترف بقابلية الإنسان للسقم، ولكنّه يَبني له أدويةً تَحفظه على فطرته الأولى، ويَجعل من ضبط الرغبة، لا إطلاقها، شرطًا لاستقرار الحياة الاقتصادية. والسؤال الذي يَنتهي إليه هذا المقال هو السؤال نفسه الذي بدأناه به: من صَنع نظامًا يُنتج الندرة للكثرة والوفرة للقلّة؟ وعلى أيّ تصوّرٍ للإنسان بُني؟ وحين يُجاب عن هذا السؤال، يُفتح الباب للسؤال التالي: ما البديل العملي؟ كيف تَنبني منظومةٌ اقتصاديةٌ تَقوم على إنسانٍ هو مادة وروح، غايتُه عمارة الأرض وعبادة الله، لا تَكديس المادة في سبيل المادة؟ وهذا ما سنُحاول التفصيل فيه في المقال اللاحق.


يتبع....


سلمت يداك، نحن بحاجة لتوعية أنفسنا بهذا النوع من المقالات النقدية، بانتظار المقال القادم بفارغ الصبر.

24 June 2026