All Posts · جميع المقالات
Essay · مقالة
المشروع: سياق تحليلي 07 المشروع: سياق تحليلي 07

الأموال المخبَّأة في البيوت والمدفونة في الحدائق ليست مشكلةً تُعالَج بعد وقوعها، بل عَرَضٌ لنظامٍ يَسمح للمال أن يَتراكم بلا حدّ. قراءةٌ في تصوّرٍ مختلف للإنسان والمال

كنّا قد انتهينا في المقال السابق إلى تفكيك مسلَّمة الندرة، وبيّنّا كيف صُنعت "الرغبات اللا متناهية" وكيف قُدِّمت المحدودية بمعنى مُضلِّل، وكيف يَطرح الإسلام في مواجهة ذلك علاجًا للنفس على مستوى الفرد، وبنيةً مؤسّسيةً تَحمي المجتمع من تَركّز الثروة في يدٍ واحدة. غير أنّ ذلك كلّه كان وصفًا لأدواتٍ تُقيّد ما هو معتلّ، لا رسمًا لما ينبغي أن يكون. ونَحتاج اليوم أن نَنتقل إلى الصورة الإيجابية: حين يَنطلق الاقتصاد من تصوّرٍ يَرى الإنسان مادةً وروحًا، وله غايةٌ تَتجاوز المادة، فماذا يكون شكله؟ وعلى أيّ مفاهيم يَقوم؟ وأيّ علاقاتٍ يُنتج بين الناس بعضهم ببعض، وبينهم وبين ما تحت أيديهم؟


والمدخل إلى هذا التصوّر الإيجابي يَبدأ من قَلب المقدّمة الأولى التي يَنطلق منها الاقتصاد الحديث. فقد رأينا أنّه يَنظر إلى الموارد بوصفها كعكةً محدودة، يَتنافس الناس على حصصها، ولا يَستفيد طرفٌ إلّا على حساب طرفٍ آخر. وهذا ما يُعرف في نظرية الألعاب بـ"اللعبة الصفريّة"، حيث رِبحُك يَستلزم خسارة غيرك. ولهذا التصوّر جذرٌ فلسفي عميق: فإنّ كلّ شيء، في الواحدية المادية، مغلقٌ على نفسه، لا مَدد له من خارجه. فإذا انتهت الكميّة الموجودة، انتهى كلّ شيء.


ويَختلف الإسلام في هذه النقطة اختلافًا جذريًا، لا في الإجراء بل في التصوّر. فهو يَرى أنّ ما بين أيدي الناس من رزقٍ ليس كميّةً مغلقة يَتقاسمونها، وإنّما هو فضلٌ من الله يُوسّعه على من يَشاء، ويَمدّه بأسبابٍ لا يُحيط بها العقل البشري إحاطةً تامّة. وهذا المعنى مذكورٌ في القرآن بصياغاتٍ متعدّدة: ﴿واللهُ يَرزُقُ من يَشاءُ بغيرِ حساب﴾، ﴿وإِن تَعُدُّوا نِعمَةَ اللهِ لا تُحصوها﴾، ﴿وما مِن دابّةٍ في الأرضِ إلّا على اللهِ رزقُها﴾. وليس المقصود أنّ المسلم يَرفع يديه ويَنتظر الرزق نازلًا، فهذا فهمٌ خاطئ يَنقضه القرآن نفسه حين يأمر بالسعي والكسب، وإنّما المقصود أنّ المسلم يَعمل ولا يَرى عمله شرطًا محصورًا في علاقةٍ سببيّة مادية بحتة، بل يَراه سببًا من جملة أسبابٍ لا يَعلمها إلّا الله. ومن هنا يَنشأ موقفٌ نفسي مختلف من الحياة الاقتصادية: لا تكالُب من يُحسّ أنّ زمنه يَنفد ورزقه يَنفد، وإنّما اطمئنانُ من يَعلم أنّ الذي يَرزقه أعلم بحاجته منه. وهذا المعنى وحده، إذا استقرّ في نفس الفرد وفي وعي المجتمع، يُغيّر بنية العلاقات الاقتصادية كلّها، إذ يَنزع من الفرد دافع الاحتكار الذي تُولّده فكرة الندرة، ويَفتح أمامه باب الكرم والتعاون لا بوصفهما تضحيةً، بل بوصفهما سلوكًا متّسقًا مع تصوّره عن مصدر الرزق.


ويَلتقي هذا المفهوم — الرزق غير الصفريّ — بمفهومٍ آخر لا يُفهم الاقتصاد على وجهه الصحيح من غير استحضاره، وهو مفهوم الاستخلاف. فإنّ الإنسان، في التصوّر الإسلامي، ليس مالكًا مطلقًا لما تحت يده، وإنّما هو مستخلَفٌ عليه. والاستخلاف، في أصل لغته، أن يكون الإنسان قائمًا مقام غيره في حفظ الشيء وتدبيره، لا مالكًا له ملكيّةً منفصلةً عن صاحبه الأصلي. ومن هنا فإنّ كلّ ما تحت يد الإنسان من مالٍ وأرضٍ وقوّة، إنّما هو وديعةٌ مؤقّتة عُهد بها إليه ليُحسن التصرّف فيها، ثم يَتركها لمن بعده، ويُسأل عنها يوم القيامة.


ففي التصوّر المادي الحديث، الملكية حقٌّ مطلق إلّا ما استثناه القانون، فللمالك أن يَفعل بما يَملكه ما يَشاء، حتى لو كان في ذلك إتلافٌ أو إسرافٌ أو منعٌ لحاجة الآخرين. أمّا في التصوّر الإسلامي، فإنّ الملكية مقيّدةٌ في أصلها، لا في استثناءاتها. فلصاحب المال أن يَنتفع به في حدود المشروع، وله أن يُورّثه، وله أن يَتصدّق منه، ولكن ليس له أن يَحتكره، ولا أن يَستعمله فيما يَضرّ الناس، ولا أن يُهمل حقوق الآخرين فيه. ومن هنا فإنّ في كلّ مالٍ حقًّا للزكاة، وحقًّا للضيف، وحقًّا للقريب، وحقًّا للسائل والمحروم. وهذه ليست أعباءً تُلقى على المالك من خارجه، وإنّما حقوقٌ بنيوية مدمجة في معنى الملكية ذاتها.


ومن أعمق المفاهيم التي تَخرج من هذه البنية، مفهومٌ لا يَكاد يُعرف في خطاب الاقتصاد الحديث، وهو مفهوم البركة. ذلك أنّ الاقتصاد الحديث يَقيس كلّ شيء بالكميّة: رغيفٌ يَساوي رغيفًا، وساعةُ عملٍ تَساوي ساعةَ عمل، ومائةُ ريالٍ تُساوي مائةَ ريال. وهذا منطقيّ في حدود ما يَفعله، لأنّ المنهج الكمّي لا يَستطيع أن يَلتقط ما لا يَقبل القياس. غير أنّ الإنسان في حياته اليومية يَعرف، بحدسه قبل تجريده، أنّ ثمّة عاملًا غير قابل للقياس يَجعل القليل من المال أو الطعام أو الوقت يَكفي للكثير من الحاجات، أو يَجعل الكثير منه لا يُغني عن قليله. وهذا هو ما يُسمَّى البركة، وهي ليست مجرّد أمنيةٍ روحانيّة، وإنّما ملاحظةٌ تجريبية يَختبرها كلّ إنسان: مالٌ يَنزل عليه ثم يَزداد، ومالٌ يَنزل عليه ثم يَنقص، من غير سببٍ ظاهرٍ في الكميّة نفسها. وحين يَدخل هذا المفهوم في تصوّر الاقتصاد، يَنكسر افتراضٌ أساسي يَقوم عليه الفكر الاقتصادي الحديث، وهو أنّ القيمة الاقتصادية محصورةٌ في الكمّ، وأنّ المنفعة تُحسب بالعدد.


وحين نَنزل من هذه المفاهيم العامّة إلى البنية المؤسّسية، نَجد أنّ ما ذكرناه في المقال السابق من الزكاة وتحريم الربا والأوقاف وأحكام الإرث، يَأخذ صورته الكاملة في ضوء هذه التصوّرات. فالزكاة ليست إعانةً اجتماعيةً اختياريّة، ولا ضريبةً يَفرضها سلطانٌ ليُمارس بها التدخّل في السوق، بل هي عبادةٌ مالية تَتجاوز الفعل الاقتصادي إلى الفعل التعبّدي، وفي الوقت نفسه تَنتظم في بنية الدورة الاقتصادية تنظيمًا بنيويًا. والقرآن حدّد لها مصارفها الثمانية تحديدًا صريحًا: ﴿إنّما الصدقاتُ للفقراءِ والمساكينِ والعاملينَ عليها والمؤلَّفةِ قلوبُهم وفي الرِّقابِ والغارمينَ وفي سبيلِ اللهِ وابنِ السبيلِ﴾. وهذه المصارف ليست مجرّد قائمةٍ، بل خريطةُ توزيعٍ تَستهدف نقاطًا حسّاسة في النسيج الاجتماعي، تُعالج بها الفقر والديون والانكسار والحاجة، فلا يَترك المجتمع طبقةً منهارةً إلى ما لا نهاية. وكلّ مالٍ تَجاوز الحدّ في يدٍ واحدةٍ أكثر من حول، خرج منه جزءٌ قهرًا لا اختيارًا، فيُعاد إلى الدورة من جديد.


وتحريم الربا، في هذا السياق، ليس قاعدةً فقهيّةً منفصلة، وإنّما حماية لأصلٍ يَقوم عليه التصوّر الاقتصادي كلّه: أنّ المال لا يَلد المال من تلقاء نفسه. فإنّ المال، في الإسلام، تابعٌ للعمل والمخاطرة، وليس قيمةً مستقلّةً تَتضاعف بالزمن وحده. ومن هنا فإنّ الفائدة المصرفية الحديثة، التي يَستفيد منها صاحب المال دون أن يَعمل ولا أن يُخاطر، تَهدم هذا الأصل وتُفسده. ولها أثرٌ تراكمي خطير: فإنّ من يَملك المال يَستطيع أن يُضاعفه بمجرّد امتلاكه، ومن لا يَملكه يَجد نفسه يَنزل في سُلَّم الفقر بمرور الوقت، حتى وإن عَمل ليلًا ونهارًا. وهذا هو الذي يَشرح، في جزءٍ منه، ظاهرة التركّز الفاحش للثروة التي وصفناها في المقال السابق: نظامٌ يَسمح للمال بأن يَكسب من غير عمل، يَنتهي بالضرورة إلى تركيز المال في يد من يَملكه، ونزفه ممّن لا يَملكه.


والأوقاف تَكمل هذه البنية من جهةٍ أخرى. فإنّ الإسلام يَسمح لصاحب المال أن يُجمّد جزءًا من ملكه ويَجعله موقوفًا لمنفعةٍ عامّةٍ دائمة: مدرسةً، أو مستشفى، أو سبيلًا للماء، أو وقفًا لإطعام الفقراء، أو لرعاية الأيتام، أو لطلبة العلم. ولا يَستطيع أحدٌ بعد ذلك أن يَتملّك هذا الوقف، ولا أن يَبيعه، ولا أن يَرثه. وهذا يُعيد إحياء فكرة "المشاعات" التي رأينا، في المقال السابق، كيف قَضت عليها موجة "التسييج" في العالم الحديث، ولكن بصيغةٍ أكثر تنظيمًا ودوامًا. ولعلّ من أعمق المفارقات أنّ المجتمعات التي حافظت على الأوقاف عَرَفت نسيجًا اجتماعيًا متماسكًا قرونًا طويلة، ثم لمّا ضَعفت هذه المؤسسات أو حُلّت في كثير من بلاد المسلمين تحت ضغط الحداثة، اضطُرّت الدولة الحديثة أن تَملأ الفراغ بأجهزتها البيروقراطية، فلم تُحسن ما كانت تُحسنه الأوقاف، ولم تَستطع أن تَحلّ محلّها لا في الكفاءة ولا في الشمول.


وأحكام الإرث، بدورها، تَكمل البناء من جهة الزمن. فإنّ ما لا تَأخذه الزكاة من الثروة في حياة صاحبها، يَأخذه الإرث بعد موته، فيُفتّت على الأبناء والورثة بنسبٍ محدّدة شرعًا، فلا تَنتقل الثروات من جيلٍ إلى جيلٍ مكنوزةً في يدٍ واحدة، كما يَحدث في كثير من النظم التي تَسمح بـ"التركة الكاملة" التي تَحفظ الثروة في عائلةٍ واحدةٍ قرونًا متطاولة. وأحكام الإرث في الإسلام، إذا قُرئت بعين الاقتصاد، تُعدّ من أبرع الآليات التي يَعرفها التاريخ في مقاومة تَركّز الثروة عبر الأجيال.


وحين تَنتظم هذه العناصر كلّها، يَخرج علينا اقتصادٌ مختلف الطبيعة: اقتصادٌ لا يَحتاج إلى أن يَصنع رغباتٍ لا متناهية ليَدور، لأنّه لا يَقوم أصلًا على فرضية الإنسان الجائع الذي لا يَشبع. واقتصادٌ لا يَرى في التراكم فضيلة، بل خطرًا يُدبَّر بآليّاتٍ متعدّدة. واقتصادٌ يَتّسع فيه مكانٌ للتعاون والصدقة والمشاركة، لا لأنّها نوافل أخلاقية تُضاف إلى السوق، بل لأنّها جزءٌ من بنيته الأصلية. واقتصادٌ يُمكن للإنسان أن يَعيش فيه عمره دون أن يَفقد إحساسه بأنّه إنسانٌ مكرَّم، لا مجرّد منتجٍ في خطّ التجميع، ولا مستهلكٍ في رفّ السلع. وهذا هو ما عَنَيناه في المقال الخامس حين قلنا إنّ الغاية الجامعة هي عمارة الأرض وعبادة الله: فإنّ الاقتصاد، في هذا التصوّر، ليس غايةً في ذاته، وإنّما هو واحدٌ من الميادين التي يُحقّق الإنسان من خلالها رسالته في الأرض، فإذا أُحسن تدبيره خَدم هذه الرسالة، وإذا اختلّ أنزله من إنسانٍ إلى مادّة.


وممّا يَجدر ذكره في الختام، أنّنا لم نَرسم هنا برنامجًا تفصيليًا قابلًا للتطبيق فورًا، فهذا أمرٌ يَحتاج إلى اجتهادٍ كبير من الفقهاء والاقتصاديين معًا، وإلى تجاربَ واقعيّةٍ مُتدرّجة. ولكنّنا رَسمنا الإطار العامّ: المفاهيم الجوهرية التي يَنبثق منها التفصيل، والآليات المؤسّسية التي تَحفظ هذا الإطار من الانحراف، والروح الكلّية التي تَجمع كلّ ذلك في خدمة الإنسان لا على حسابه. وبهذا نَكون قد أَتممنا قَوس الاقتصاد في مقالين، ويَنتظرنا في المقالات اللاحقة الانتقال إلى ميادين أخرى وَعَدنا بها في المقال الخامس: التعليم، والأسرة، والسياسة، والفنّ. وكلّ ميدانٍ منها يَستحقّ ما يَستحقّه الاقتصاد من الانتباه، لأنّه ميدانٌ تَتشكّل فيه صورة الإنسان أو تُمحى.


يتبع....

الاقتصاد غير الصفري، البركة، الاستخلاف، الميراث، الزكاة، تحريم الربا، سبحان الله رب العالمين. متشوق للمقالات القادمة.

30 June 2026