All Posts · جميع المقالات
Essay · مقالة
المشروع: سياق تحليلي 08 المشروع: سياق تحليلي 08

لماذا تُخفق الديمقراطية في وعودها؟ رحلةٌ في العلّة التي وُلدت مع النظام.

في وقت كتابة هذه السطور، يَراقب العالم مشهدين متزامنين لا يَستطيع كثيرٌ من الناس التوفيق بينهما وبين ما يُقال لهم عن "أفضل نظام سياسي عرفته البشرية".


فمن جهةٍ أولى، ثمّة إدارةٌ أمريكية بلغت من التصرّف الفردي والانفصال عن الأعراف الديمقراطية ما جَعل حتى المدافعين التقليديين عن النظام الأمريكي يَتحدّثون بلغة القلق الوجوديّ على مستقبل مؤسّساتهم. مؤسّساتٌ افترضت الدساتير أنّها ستُقيّد السلطة التنفيذية، تَعجز اليوم عن ضبطها؛ ومحاكمُ تُنتقد قراراتها ويهدد أصحابها؛ ووزاراتٌ تُختصَر إلى قرارات فردية تُوقَّع بجرّة قلم؛ وسلوكٌ إداريّ يَتحدّى القوانين ذاتها التي وُضعت لينضبط بها. وليس المهمّ هنا الحكم الأخلاقي على شخصٍ بعينه، بل التنبيه إلى أنّ هذا كلّه يَحدث داخل ديمقراطيّةٍ تُعرِّف نفسها بأنّها الحصن الأخير ضدّ الاستبداد، وتُلقّن العالم منذ عقودٍ أنّ نموذجها هو النموذج الذي ينبغي أن تَحتذيه سائر الأمم.


ومن جهةٍ ثانية، ثمّة عالمٌ يُشاهد إبادةً موصوفةً بتفصيلها اليومي، على شاشاته ولحظةً بلحظة، في وقتٍ تَبقى فيه أعتى الديمقراطيات في العالم مصطفّةً خلف الطرف الذي يُنفّذها. قضايا في محاكم دولية تَطعن في ما يَجري فيَقابلها الفيتو، ومساعداتٌ تَستمرّ في التدفّق مالًا وسلاحًا ودعمًا سياسيًا. ولا تَرى في ذلك الديمقراطياتُ الغربية تناقضًا مع مبادئها المُعلَنة عن "حقوق الإنسان" و"الكرامة الإنسانية" و"الحرّية"، بل تُصرّ على أنّ هذا الاصطفاف هو التزامٌ بالقيم ذاتها. والقارئ الحرّ في أيّ مكان، يَتوقّف حائرًا: إن كان هذا هو التطبيق العملي للقيم الديمقراطية، فما معناها في الحقيقة؟ وأيّ عدلٍ هذا الذي يُطبَّق عليك ولا يُطبَّق عليّ؟


وهنا يُقال كثيرًا، دفاعًا عن النظام، إنّ المشكلة ليست في النظام وإنّما في القائمين عليه؛ فيقال أخطاء فردية، أو شخصياتٌ استثنائية سيَعالجها الزمن، أو انحدارٌ أخلاقيّ للنُّخب لا للمؤسّسات. غير أنّ هذا الجواب، على شيوعه، لا يَصمد أمام أوّل نظرةٍ فاحصة. فإنّ الحادثة الواحدة يَستقيم فيها هذا التفسير، والحادثتَين، والثلاث. أمّا حين يَتكرّر النمط بشكل ممنهج في بلادٍ مختلفة، وسياقاتٍ متباعدة، وقياداتٍ لا يَجمعها إلّا أنّها وَصلت إلى السلطة من داخل الديمقراطية نفسها، فإنّ الحديث عن مصادفةٍ يَنهار. والأصعب في هذا كلّه أنّ النظام الذي يُقال إنّه سليمٌ هو نفسه الذي سَمَح لهؤلاء بالوصول إلى مواقعهم، ثم عَجز عن أن يَحول بينهم وبين ما يَفعلون بعد الوصول. أي أنّ العلّة ليست في اختراقٍ خارجيّ، بل في تكوينٍ داخليّ: قواعد اللعبة نفسها هي التي تُنتج هذا النوع من اللاعبين، ومؤسّسات النظام نفسها هي التي تَجدها عاجزةً حين يُطلب منها الدفاع عمّا يُدَّعى أنّها بُنيت لأجله.


وممّا يُثبت أنّ الخلل بنيويّ لا فرديّ، أنّ كلّ نقدٍ يُوجَّه للنظام يُردّ عليه بأدواتٍ مُحكَمة الإحكام. فمن يُنبّه إلى الفشل يُتَّهم بأنّه "ضدّ الحقوق الإنسانية"، ومن يَذكر جرائم الحلفاء يُلصق به أنّه "مؤيّدٌ للإرهاب"، ومن يَسأل عن جدوى النموذج يُقال إنّه "معادٍ للحضارة". وقد فَصّل نعوم تشومسكي مع إدوارد هيرمان هذه الآلية في كتابهما "صناعة الرضا" (Manufacturing Consent, 1988)، وبيّنا كيف تَعمل وسائل الإعلام في الديمقراطيات الحديثة على تشكيل حدود ما يُعتبر "خطابًا مقبولًا"، وحصر الجدل داخل نطاقٍ ضيّقٍ لا يَمسّ الأسس. فيُسمح للمرء بأن يَنتقد سياسةً بعينها، لكنّه لا يُسمح له بأن يَنتقد النظام الذي أَنتَجَ تلك السياسة؛ ويُسمح له بأن يَتّهم رئيسًا بعينه، لكنّه لا يُسمح له بأن يَتّهم البنية التي أَوصلت هذا الرئيس. ومَن يَتَخطّى هذا السقف، يُقصى من دائرة النقاش الجادّ بالوصم قبل الحجّة، ويُوضع في خانةٍ يَنطلق منها الآخرون ليقولوا: هذا مطعونٌ في نيّته، فلا حاجة إلى الإصغاء إليه.


وقد يَقول قائل، وهذا استدراك مهم جدا في مثل هذه اللحظة، إنّ هذا النقد كلّه معناه أنّنا نُبَشّر بالاستبداد، أو نَرى في الأنظمة الشمولية بديلًا. والحقّ أنّ هذا القول لا يَنمّ إلّا عن فهمٍ قاصر لطبيعة الجدل نفسه. فإنّ نَقد شيءٍ لا يَعني الدعوة إلى نقيضه، ولا تَستقيم القسمة العقلية على "ديمقراطية غربية" و"استبدادٍ شرقيّ" حصرًا، كأنّه لا وجود إلّا لأحدهما. وما نقوم به إنّما هو وَصف لخللٍ نَشهده. وحصر البدائل في هذه الثنائية هو في ذاته أحدُ أعراض المشكلة التي نَتحدّث عنها: أن يَظنّ المرء أنّ العالم كلّه لا يَحتمل إلّا إحدى صورتَين قد حُفظتا في ذهنه، ومن دَعا إلى غيرهما فقد خَرج من دائرة "المعقول". أمّا مسألة البديل — إن كان ثمّة بديل — فهي شأنٌ سيَحين وقته حين نَفرغ أوّلًا من فهم البنية القائمة على وجهها. فإنّ الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوّره، ومن حَكم قبل أن يَفهم أَجحف من حيث ظَنّ أنّه يُنصف.


وبعد هذا التمهيد، يَحسن أن نَنتقل إلى المهمّة الأساسية للمقال: أن نَتتبّع، بإيجاز، كيف تَطوّرت فكرة الديمقراطية الحديثة من أوّل نشأتها إلى صورتها الحاضرة، لنَرى كيف نَشأت العلّة في التكوين منذ اللحظة الأولى، لا في حادثةٍ عابرة. فالفكرة لم تُولد كاملةً، وإنّما تَراكمت عليها إسهاماتٌ متعاقبة، كلٌّ منها أَضاف لبنةً وأخفى إشكالًا.


نَبدأ من نقطةٍ كنّا قد أَشرنا إليها في المقال الثالث، وهي ثنائية هوبز ولوك في القرن السابع عشر. رأى هوبز في "الليفاياثان (Leviathan, 1651)” أنّ الإنسان في حالته الطبيعية ذئبٌ مفترس، وأنّ الدولة تَنشأ من عقدٍ يُبرمه الأفراد لتَنازلهم عن قوّتهم لصالح سلطانٍ يَقهرهم فيَحفظهم من بعضهم بعضًا. فكانت الدولة عنده آلةً لكبح الشرّ. ورأى لوك في “رسالتان في الحكم المدني (Two Treatises of Government, 1689)” أنّ الإنسان الطبيعيّ عقلانيّ قادرٌ على التعاون، وأنّ الدولة تَنشأ من عقدٍ يُبرمه الأفراد لحماية حياتهم وحرّياتهم وأملاكهم. فكانت الدولة عنده شركةً لإدارة المصالح. وقد بيّنّا في المقال الثالث أنّ كليهما يَنطلق من تصوّرٍ مبتور للإنسان، محصورٍ في المادة والغريزة والمصلحة.


ثمّ جاء جان-جاك روسو في "العقد الاجتماعي" (Du Contrat Social, 1762) بمفهومٍ سمّاه "الإرادة العامّة" (Volonté générale)، وأراد به أنّ الحاكم الشرعيّ الوحيد هو مجموعُ إرادات الشعب، لا فردٌ ولا ملكٌ ولا مؤسّسةٌ خارجه. وهذا التصوّر، على شاعريّته، حَمَل في داخله إشكالاتٍ لم يَخرج منها الفكر السياسي الغربي إلى اليوم. فإنّ "الإرادة العامّة" ليست شيئًا حاضرًا يُمكن قياسه، بل هي بناءٌ افتراضي يَحتاج إلى مَن يُترجمها ويُعبّر عنها. ومَن يَملك ترجمتها يَملك بها السلطة، لأنّه يَتحدّث باسم الشعب كلّه، ويَنفي ما سواه بوصفه انحرافًا. وقد فَتح هذا المفهوم، على ما يَبدو من ديمقراطيّته، بابًا واسعًا لكلّ صيغةٍ استبدادية تَدّعي أنّها تُعبّر عن "الشعب" في مواجهة "النخب" أو "الأعداء الداخليين".


ولمّا لم يَكن الشعب قادرًا على أن يَحكم نفسه لحظةً بلحظة، اضطُرّ التطبيق إلى ما يُسمَّى "الديمقراطية التمثيليّة": الشعب يَختار من يَتحدّث باسمه. وهنا وَلَجت الديمقراطية باب المشكلة الكبرى — الفَصلُ بين مَن يَحكم ومَن يُقال إنّه صاحب السيادة. فصار الشعب "صاحب الحقّ" نظريًا، لكنّه ليس "ممارس الحقّ" فعليًا. ونائبه يَختاره بأصواته، لكنّ اختياره مقيَّدٌ بمن يُعرض عليه، ومن يُعرض عليه محدَّدٌ بمن يَملك المال والوصول إلى الإعلام والمؤسّسات الحزبية. فتَحوّلت "الإرادة العامّة" إلى عمليّةِ اختيارٍ بعد سلاسل تصفيةٍ متعدّدة، تَنتهي بأن يَختار الشعب من بين خياراتٍ مصنوعة خصيصاً للمنظومة نفسها التي يَظنّ أنّه يُساءلها.


ولعلّ أوّل من نَبّه إلى هذا الاختلال، في وقتٍ كانت الديمقراطية فيه مشروعًا شابًّا، هو ألكسيس دو توكفيل في كتابه "الديمقراطية في أمريكا" (De la démocratie en Amérique, 1835–1840). فبعد زياراتٍ ميدانية إلى الولايات المتّحدة، كتب أنّ الديمقراطية قد تَتحوّل إلى نوعٍ جديدٍ من الاستبداد لم تَعرفه البشرية من قبل: استبدادٌ لا يَعتمد على السجن والقتل، بل على تنميط الرأي وتشكيل الميول، حتى يَنتهي المواطن إلى أنّه يَشعر بالحرّية وهو محكومٌ حكمًا لا يَراه. وسمّى ذلك "الاستبداد الناعم" (despotisme doux)، ووصفه بأنّه يُخفّض الإنسان إلى مستوى مستهلكٍ راضٍ عن الخدمات، لا فاعلٍ حيّ في حياته العامّة.


ثمّ جاء كارل شميت في كتابه "أزمة الديمقراطية البرلمانية" (Die geistesgeschichtliche Lage des heutigen Parlamentarismus, 1923)، فَبَيّن تناقضًا جوهريًا في مفهوم "الديمقراطية الليبرالية". فإنّ الليبرالية تَقوم على ضبط السلطة بالحقوق الفردية والقانون والمؤسّسات؛ والديمقراطية تَقوم على سيادة الشعب وأنّه لا سلطان فوق إرادته. وهذان مبدآن يَتعارضان: فإذا أرادت الأغلبية أن تُلغي حقّ الأقلّية، فبأيّ سلطانٍ نَمنعها؟ إن سمحنا لها، أَلغَينا الليبرالية؛ وإن مَنَعناها، أَلغَينا الديمقراطية. والنُّظم الغربية الحديثة تَعيش هذا التناقض داخل بنيتها، تُدير التوتّر بينهما بحسب توازنات القوّة القائمة لا بحسب مبدأٍ ثابت.


وحين نَجمع هذه الخطوط الأربعة معًا — هوبز/لوك في نقطة الانطلاق، روسو في المفهوم المؤسّس، الديمقراطية التمثيلية في التطبيق، ثم تنبيهات توكفيل وشميت — يَبان لنا أنّ ما نَراه اليوم من فشل الديمقراطيات ليس خللًا طارئًا، وإنّما هو نتيجةٌ منسجمة مع البنية التي بُنيت عليها منذ اللحظة الأولى. فالنظام الذي يَنطلق من إنسانٍ ماديّ محدود مصلحيّ خائف، ويَنبني على إرادةٍ عامّةٍ يَحتكر ترجمتَها من يَملك الأدوات، ثم يُطبَّق عبر تمثيلٍ يَفصل بين السيادة النظرية والممارسة الفعلية، لا يَستطيع في نهاية المطاف أن يُقدّم عدلًا أعلى من توازن المصالح، ولا حرّيّةً أعمق من ضبط السلوك الظاهر.


وحين نَعود بعد هذا كلّه إلى المشهدَين اللذَين افتتحنا بهما، يَتبيّن أنّ ما نَراه ليس فشلًا في التطبيق، وإنّما هو الديمقراطية تَعمل بحسب البنية التي فيها. غير أنّ هذا الاستنتاج، ليس نهاية النظر بل بدايته. فما رَسمناه هنا كان في مستوى التطوّر التاريخي العامّ، وثمّة مستوياتٌ أعمق لم نَلمسها بعد: تفصيلٌ في كيفية تَشكُّل الرأي العامّ وصناعته، وتحليلٌ للعلاقة البنيوية بين الرأسمالية والديمقراطية بوصفهما وجهَين لمنظومةٍ واحدة، وقراءةٌ في المُعطى الاستعماري ومَركزيّة المصلحة الغربية في تعريف "العدالة" الدولية، وسواها من الوجوه التي لا يَستقيم النقاش دونها. وسنَواصل في المقالات القادمة تفصيل هذه المستويات، حتى تَستوي أمامنا صورةٌ كاملة للنظام.


يتبع....


I never enjoyed a constitutional analysis as much as I enjoyed this radical one. Keep it up!

9 August 2026