All Posts · جميع المقالات
Essay · مقالة
المشروع: سياق تحليلي 9.1 المشروع: سياق تحليلي 9.1

ما الذي يعطي الحق في التصويت وهل فعلاً يحق التصويت لبعض الأشخاص دوناً عن غيرهم؟

انتهينا في المقال السابق إلى أنّ الرأسمالية والديمقراطية ليستا نظامَين متجاورَين، وإنّما وجهان لمنظومةٍ فلسفية واحدة، تَنطلق من التصوّر ذاته للإنسان: كائنٌ مصلحيّ خائف، إذا نَظرنا إليه في تعامله مع السلطة سمّيناه "مواطنًا"، وإذا نَظرنا إليه في تعامله مع السلعة سمّيناه "مستهلكًا"، وهو في الحالتين الكائن ذاته الذي انتُزع منه بُعده المتجاوز. ورأينا أنّ الفصل الشائع بينهما — نظامٌ اقتصادي هنا ونظامٌ سياسي هناك — ليس فصلًا بريئًا، بل هو من أنجح ما أَنتجه الفكر الحديث في حماية نفسه من النقد، لأنّه يَجعل المنتقد يُطارد عَرَضًا في ميدانٍ بينما العلّة كامنةٌ في اقتران الميدانَين.


غير أنّ هذه الأطروحة، على وجاهتها، دعوى تَحتاج إلى برهان. فقد يُقال: هَبْ أنّ الميدانَين متشابكان اليوم، فما الذي يَمنع أن يكون هذا تشابكًا عارضًا نَشأ بمرور الزمن، ويُمكن فكّه بإصلاحٍ من داخل النظام؟ وهذا اعتراضٌ وجيه لا يُردّ بادعاء، وإنّما بالدليل. ولهذا نُخصّص هذا المقال والثلاثة التي تَليه لبحث كيف أن الاقتران ذاتيّ في التكوين لا عَرَضيّ في التطبيق: نَعود اليوم إلى سجلّ الميلاد نفسه، ثمّ نُفصّل آلة التصفية المعاصرة، ثمّ نَتتبّع مصنع الشرعية، ثمّ نَضع النظام أمام لحظة الاختبار.


والدعوى التي نُريد إثباتها في هذا المقال أنّ اقتران الديمقراطية برأس المال ليس حادثًا طارئًا عليها، وإنّما هو في أصل تكوينها. وأصدق ما يُستدلّ به على أصل الشيء سجلُّ ميلاده، لا صورته بعد قرنَين من التجميل. فلنَسأل سؤالًا بسيطًا مباشرًا: حين وُلدت الديمقراطية الحديثة، من كان يَحقّ له أن يُصوّت؟


الجواب الموثّق، لا المُستنتَج، أنّ حقّ التصويت كان مشروطًا بالملكية، نصًّا في القانون لا ضمنًا في الممارسة.

ففي بريطانيا، التي تُقدَّم بوصفها أمّ البرلمانات، ظلّ حقّ الاقتراع محصورًا في فئةٍ ضيّقةٍ من المُلّاك حتى القرن التاسع عشر. وحين جاء "قانون الإصلاح الكبير" سنة ١٨٣٢، وهو الذي يُحتفى به في كتب التاريخ بوصفه فتحًا ديمقراطيًا، لم يَكن مضمونه إلغاء شرط الملكية، وإنّما تعديل عتبته. فقد نصّ على أنّ من يَحقّ له التصويت في المدن هو من يَشغل مسكنًا تَبلغ قيمته الإيجارية السنوية عشرة جنيهات. والنتيجة العملية لهذا "الإصلاح العظيم" أنّ نسبة من يَحقّ لهم التصويت من الذكور البالغين ارتفعت بنحو سبعة بالمئة. أي أنّ أربعةً من كلّ خمسة رجالٍ بالغين ظلّوا خارج دائرة "الشعب" الذي تَحكم باسمه الديمقراطية، فضلًا عن النساء اللواتي لم يَكنّ في الحسبان أصلًا.


وفي الولايات المتّحدة، حيث تَأسّست الجمهورية على وثيقةٍ مكتوبة تُعدّ إلى اليوم نموذجًا يُحتذى به، كانت المسألة أوضح وأصرح. فقد ورثت المستعمرات عن بريطانيا مبدأً يُسمّى "مبدأ المالك الحرّ" (the freeholder principle)، ومقتضاه أنّ من يَملك أرضًا هو وحده من له "حصّةٌ" في المجتمع تُؤهّله للمشاركة في قراره. ولم يَتضمّن الدستور الأمريكي عند وضعه سنة ١٧٨٧ حقًّا عامًّا في الاقتراع، بل ترك للولايات سلطة تحديد شروطه، فبَقيت شروط الملكية سائدةً في عمومها في العقود الأولى للجمهورية.


والأهمّ من الشرط نفسه هو تبريره. فقد كان مفكّرو القرن الثامن عشر يَرون أنّ المالك ناخبٌ أفضل، لأنّ له مصلحةً حقيقيةً في القرار السياسي، ولأنّه يَدفع الضرائب فيَستحقّ صوتًا، ولأنّ عنده من الموارد ما يَجعله مستقلَّ التفكير لا تابعًا لأثرياء غيره. فلاحظ أنّ الحجّة كلّها اقتصادية في بنيتها، حتى حين تَتحدّث عن الاستقلال والرشد. المِلكية هي التي تَمنح الأهليّة السياسية، والحقّ السياسي مشتقٌّ من الموقع الاقتصادي.

وليس هذا مذهبًا هامشيًا لبعض المشرّعين، بل هو امتدادٌ منطقيّ لفلسفة جون لوك نفسه، الذي جَعل حماية الملكية غايةً من غايات الدولة الأولى، على ما ذكرناه في المقالين الثالث والثامن. فإذا كانت الدولة قائمةً في أصلها لحماية الملكية، فمن الطبيعيّ أن يكون أصحاب الملكية هم أصحاب الكلمة فيها. لم يَكن هذا تناقضًا في نظر واضعيه، بل كان اتّساقًا كاملًا.


على أنّ أصرح ما في الوثيقة التأسيسية الأمريكية، وأدلّه على ما نَحن بصدده، نصٌّ يُعرف بـ**"تسوية الثلاثة أخماس"**، وهو في المادّة الأولى، القسم الثاني، الفقرة الثالثة من الدستور. فقد ثار خلافٌ في مؤتمر ١٧٨٧ بين ولايات الشمال وولايات الجنوب حول احتساب المستعبَدين في تعداد السكّان الذي تُوزَّع بمقتضاه مقاعد مجلس النوّاب. فكان الحلّ أن يُحتسب المستعبَد ثلاثة أخماس إنسان، أي ستّين بالمئة منه، في تحديد عدد المقاعد والأصوات الانتخابية ومقدار الضرائب.


وهنا موضع التنبيه الذي يَغفل عنه كثيرٌ ممّن يَذكرون هذه الواقعة. فليس معنى النصّ أنّ المستعبَد كان له ثلاثة أخماس صوت، فهو لم يَكن له صوتٌ أصلًا، ولا كان يُعدّ مواطنًا ولا صاحب حقّ. وإنّما معناه أنّ مالكه كان يَحصل، بسببه، على زيادةٍ في التمثيل السياسي في الكونغرس. أي أنّ الإنسان المملوك حُوّل إلى رصيدٍ سياسيّ لمن يَملكه (طبعا ليس كشخص كامل وإنما جزء من شخص)، فكلّما ازداد عدد من تَملك، ازداد وزنك في الحكم. والولايات المالكة للعبيد صارت بذلك ممثَّلةً في السياسة الوطنية بما يَفوق عدد أحرارها.


فتأمّل إلى أيّ حدٍّ يَبلغ اتّساق المنطق مع نفسه: إذا كان الحقّ السياسي مشتقًّا من الملكية، وكان الإنسان قابلًا لأن يُملَك، فمن اللازم منطقيًا أن يُنتج امتلاكُ البشر سلطةً سياسية، تمامًا كما يُنتجها امتلاك الأرض والماشية. لم تَكن هذه التسوية شذوذًا عن مبادئ الوثيقة، بل كانت تطبيقًا أمينًا لها. وهي تَكشف، أوضح ممّا يَكشف أيّ نصٍّ آخر، أنّ الديمقراطية الحديثة في نشأتها لم تَكن نظامًا لتمثيل البشر، وإنّما نظامًا لتمثيل الأملاك، والبشر داخلون فيها بقدر ما يُعدّون مملوكين أو مالكين.


وفي فرنسا، بعد ثورةٍ رُفعت فيها شعارات الحرّية والمساواة والإخاء، جاء دستور ١٧٩١ فقسّم الفرنسيين قسمَين: مواطنون فاعلون (citoyens actifs) لهم حقّ التصويت، وشرطهم أن يَدفعوا ضريبةً مباشرةً تُعادل أجر ثلاثة أيّام عمل؛ ومواطنون سلبيّون (citoyens passifs) لهم حقوقٌ مدنيّة ولا حقّ لهم في الاقتراع. والتسمية نفسها فاضحةٌ في صراحتها: أن تكون مواطنًا "فاعلًا" يَعني أن تكون قادرًا على الدفع.


فهذه ثلاث تجارب مؤسِّسة، في ثلاث بلاد، في ثلاثة سياقات، تَتّفق كلّها على أنّ المشاركة السياسية مشتقّةٌ من الموقع الاقتصادي. وليست هذه مصادفةً تَحتمل التأويل، وإنّما هي البنية تُعلن عن نفسها في نصوصها التأسيسية.


وهنا يَرد اعتراضٌ متوقّع: أليس حقّ الاقتراع قد اتّسع بعد ذلك حتى شَمل الجميع؟ أفلا يَدلّ هذا على أنّ الشرط الطبقيّ كان عَرَضًا زائلاً، لا أصلًا باقيًا؟

والجواب أنّ الاتّساع حَقيقيّ ولا يُنكَر، ولكنّ قراءته تَحتاج إلى دقّة. فأوّلًا، لم يُمنح هذا الاتّساع منحًا، وإنّما انتُزع انتزاعًا بعد عقودٍ من النضال: حركة الميثاقيّين في بريطانيا، والحركات العمّالية، ونضال النساء، وضغط الحربَين العالميّتَين اللتَين احتاجتا إلى تجنيد الجماهير فلم يَعد ممكنًا حرمانها ممّا يُطلب منها الموت لأجله. فالتوسيع كان تنازلًا تحت الضغط، لا تطوّرًا طبيعيًا في منطق النظام.


وثانيًا — وهذا هو الأهمّ — أنّ اتّساع حقّ الاقتراع رافقه، في الوقت نفسه، بناء طبقاتٍ من العزل تَحمي القرار الاقتصادي من متناول الناخب. فحين صار كلّ بالغٍ يُصوّت، لم يَعد القرار في السياسة النقدية بيد المنتخَبين، بل انتقل إلى بنوكٍ مركزية "مستقلّة" لا يَصل إليها الناخب. ولم تَعد الاتّفاقيات التجارية تُناقش في البرلمانات مناقشةً حقيقيّة، بل تُبرَم في أروقةٍ ثمّ تُعرض للتصديق. ولم تَعد الشركات الكبرى محكومةً بحدود الدولة التي يُصوّت فيها الناخب، بل صارت عابرةً للحدود تَنتقل حيث تَشاء. فالذي حَدث ليس أنّ سلطة الناخب اتّسعت، بل أنّ مجالها انكمش بقدر ما اتّسعت. أُعطي الناخب صوتًا في اللحظة التي انتُقلت فيها القرارات الحاسمة إلى حيث لا يَبلغه صوته.


وهذا هو المعنى الدقيق لقولنا إنّ الاقتران ذاتيّ لا عَرَضيّ. فلو كان عَرَضيًا لأمكن أن نَتصوّر ديمقراطيةً نَشأت مستقلّةً عن رأس المال ثمّ تَلوّثت به. لكنّ السجلّ يَقول غير ذلك: نَشأت وهي مشروطةٌ به نصًّا، ثمّ حين أُلغي الشرط النصّي أُقيمت مكانه ترتيباتٌ تُؤدّي وظيفته من غير أن تَحمل اسمه. تَغيّرت الصيغة وبَقيت الوظيفة.

وممّا يُقوّي هذه القراءة أنّ الديمقراطية الليبرالية والرأسمالية الصناعية لم تَنشآ في زمنَين متباعدَين ولا في بلادٍ متباينة، بل في الحقبة نفسها والجغرافيا نفسها والطبقة الاجتماعية نفسها. فالطبقة التي طالبت بالتمثيل السياسي في وجه الملكية المطلقة هي الطبقة التي كانت تُراكم الثروة من التجارة والصناعة، وكان مطلبها السياسي امتدادًا لمصلحتها الاقتصادية لا منفصلًا عنها. ومن هنا كان شعار الثورة الأمريكية "لا ضرائب بلا تمثيل"، وهو شعارٌ يَربط الحقّ السياسي بالعبء المالي ربطًا صريحًا لا يَحتاج إلى تأويل.


وقد يُقال إنّ ما جَرى بعد ذلك من توسيعٍ للحقوق يَدلّ على قابلية النظام للإصلاح من داخله. والحقّ أنّ التنازل الجزئي ليس دليلًا على مرونة البنية، بل هو من أنجع وسائل تثبيتها. فإنّ النظام حين يُواجَه بضغطٍ يُهدّد أصله، يُقدّم في الأطراف ما يَمتصّ به الضغط ويَحفظ به المركز. ولهذا نَجد أنّ ما يُمنح للناس يَقع دائمًا في المجال الذي لا يَمسّ بنية الملكية ولا القرار الاقتصادي: حقوقٌ مدنيّةٌ رمزية، وخدماتٌ قابلة للسحب عند الأزمات، وتوسيعٌ في من يُصوّت دون توسيعٍ فيما يُصوَّت عليه. فحين يَقترب المطلب من الأصل، تَنكشف الحدود التي لا يُسمح بتجاوزها، ويَجد الطالب أمامه ما لا يُزيحه صندوقٌ ولا برلمان.


وسنَرى في المقال القادم كيف تَجري حماية القرار الاقتصادي من متناول الناخب في زماننا بآليّاتٍ أدقّ ممّا كانت عليه في القرن التاسع عشر، حين كان الشرط يُكتب في نصّ القانون صراحة. فقد صارت التصفية تَجري قبل أن يَصل الأمر إلى الصندوق، بحيث يُحافَظ على شكل الاختيار كاملًا وتُضبط نتيجته سلفًا.


يتبع....


Bravo !

14 August 2026

بانتظار بقية السلسلة

16 August 2026